يشهد فيوقف عنده ؛ ولهذا قيل للمحمدي الذي له مثل هذا الكشف :
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ
[ الأحزاب : 13 ] ؛ لكون الأمر دوريّا ،
فَارْجِعُوا
، فلا يزال العالم سابحا في ذلك الوجود دائما إلى غير نهاية ؛ إذ لا نهاية هناك ، ولا يزال وجه العالم أبدا إلى الاسم الأول الذي أوجده ناظرا ، ولا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط ، الذي ينتهي إليه ، فإن العالم يرى من خلفه كما يرى من أمامه ، ولكن يختلف إدراكه باختلاف الحال عليه ، ولولا الاختلاف ما كان فرقان .
وإذا قد علمت أن جميع الجهات عند المصلي حقيقة قبلة ، كما يشير إليه قول اللّه تبارك تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] ، فإيّاك أن تتوهّم أن نفسك قد أحاطت بها الجهات كصورتك الظاهرة ، ويبقى الحق تعالى في وهمك كالدائرة المحيطة بك ؛ فإن نفسك ليست من عالم الحسّ ، بل كما ترى نفسك في غير جهة كذلك تشهد الحق تعالى في غير جهة .
وأما ظاهرك فإنما أمرك الحق تعالى بتوجّهه إلى جهة الكعبة ؛ لجمع همّك على المركز ، وظاهر لظاهر ، وباطن لباطن .
فإن قيل : فمن يرى وجه الحق تعالى في كل جهة كيف يميز المحظور من غيره ؟
قلنا : رؤية الحق تعالى في الباطن رؤية مطلقة غير مقيّدة ، وليس في عالم الإطلاق تكليف ، ولا خطاب بابتلاء ، فافهم .
وكان شيخنا رضي اللّه عنه يقول كثيرا : العبادة للّه تعالى بالغيب هي عين العبادة له مع الشهود على حدّ سواء ؛ لأن الإنسان وكل عابد لا يصحّ أن يعبد معبوده إلا عن شهود إمّا بعقل أو ببصر ، فصاحب البصيرة لولا شهده بها ما صحّت له عبادة ، فما