تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
تعالى خلفه كما هو أمامه لأن اللّه تعالى ما راعى إلا وجهه المقيّد بمقابلة العبد ، كما أنه لم يراع من جهات العبد سوى وجهه . وقد قررنا غير ما مرة في معنى قوله تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
[ البروج : 20 ] ، أنه ما ثمّ إلا اللّه ونحن ، وهو من ورائنا محيط ، فليس وراء اللّه إلا العدم المحض ، الذي ما فيه حقّ ولا خلق يتعقّل . وفي الحديث : « ليس وراء اللّه مرمى « 1 » » ، فكلّ ما تخيّل له وراء فليس هو اللّه ، فهو تعالى المحيط بنا والوراء منا ، له من كل جهة لازم لنا ، فلا نراه أبدا من هذه الحيثية ؛ لأن وجوهنا إنما هي مقبلة مصروفة إلى نقطة المحيط ؛ لأننا منها خرجنا فلم يتمكّن لنا أن نستقبل بوجوهنا إلا هي ، فهي قبلتنا ، وهي أمامنا ، ومن كان هذا نعته والأمر كريّ ، فبالضرورة يكون الوراء منا للمحيط بنا ، فإذا نظرنا إلى قوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ، فإنما يريد بظهورنا لا بوجوهنا ، فإن مشينا إلى المحيط القهقري فهو من ورائنا محيط ؛ لأنه الوجود ، فلو لم يكن من وراءنا لكانا انتهاؤنا إلى العدم ، ولو وقفنا في العدم ما ظهر لنا عين ، فمن المحال وقوفنا في العدم بعد الوجود ؛ لأن اللّه تعالى الذي هو الوجود المحض من وراءنا محيط بنا ، وإليه ننتهي ، فيحول وجوده وإحاطته بيننا وبين العدم . فليس بين قوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
وبين قوله :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
تناف كما توهم ؛ إذ العالم بين النقطة والمحيط ، فالنقطة الأول ، والمحيط الآخر ، والحفظ الإلهي يصحبنا حيثما كنا ، فيصرفنا منه إليه والأمر دائرة ما لها طرف
هامش
( 1 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 901 ) ، والبزار في مسنده ( 3 / 262 ) ، وابن أبي الدنيا في التوكل على اللّه ( 33 ) .