وكان شيخنا رضي اللّه عنه يقول : الخطاب مع الغيبة أقوى من التنزيه مع الخطاب مع المواجهة والحضور ؛ لأن الحقائق تعطي أنك ما حضرت إلا معك ، أو مع المثال القائم من صورتك ، فمعك حضرت لا مع ربك ، أين التراب من رب الأرباب ؟
فاعلم ذلك .
ولا يغيب شهوده عنك في رجوعك إليه ؛ لئلا تتخيل أنك رجعت إلى أعلى منك ، فإنك ما رجعت حقيقة منك إلا إليك ، والحق تعالى لا يرجع إليك إلا بك لا به ؛ إذ ليس في الوسع أن يطيقه مخلوق .
وتأمل قوله لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
[ هود : 123 ] ، كيف أتى بضمير الغائب في قوله : « فاعبده » أي : لا تعبده من حيث أنت ؟ فإنك إن عبدته من حيث عرفته فنفسك عبدت ، وإن عبدته من حيث لم تعرفه فنسبته إلى المرتبة الإلهية عبدت المرتبة ، وإن عبدته من غير مظهر ولا ظاهر ولا ظهور ؛ بل هو هو ، لا أنت ، وأنت أنت لا هو ، فقد عبدته .
وهو قوله تعالى :
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
أي : ولا تقل : أنت المدرك بالأبصار .
فإن الغيب لو أدرك بها ما كان غيبا ، واعبد ذاتا منزهة مجهولة ، لا تعرف منها سوى نسبتك إليها بالافتقار ؛ لأن من عبد ذاتا منزهة مدركة فما عبد إلا صورة نفسه في المرآة ، فما فوق معرفة من عبد ذاتا مجهولة معرفة ؛ لأنه حينئذ يكون معروفها لا تحديد فيه ، فسبحان من علا في نزوله ونزل في علوه ، ثم لم يكن واحدا منهما ، ولم يكن إلا هما لا إله إلا هو العزيز الحكيم .