تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
وقد قدّمنا أنه لا يتمكّن لك أن تحضر مع ربّك إلا على قدر ما تعطيك مرتبتك لا غير ، وإن علمك بأن اللّه تعالى يراك أقوى في التنزيه من رؤيتك له ؛ لأنك لا تراه إلا بصورة المقابلة والتحديد ، وقول من قال : ( بلا تحديد ) إنما هو تستير على العوامّ ؛ إذ التنزيه لهم أولى ؛ لقصورهم عن فهم الأمور على وجوهها الواردة في الشريعة ، ومن هنا أنكرت المعتزلة الرؤية مطلقا ، فردّوا الأحاديث والآيات الواردة في الرؤية ، وما كان ينبغي لهم أن يقولوا ذلك إلا في رتبة الإطلاق التي هي حضرة الذات ، فإن التجلي في رتبة التقييد والتمثيل قد ثبت في الأخبار الصحيحة ، واكتفى الحق سبحانه من عباده أن يعبدوه على التخيل دون الرؤية ، كما مرّ ، وكما في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه في قبلة أحدكم « 1 » » . ومعلوم أن المصلي لا يرى إلا الحائط أو الأرض ، فما بقي إلا التخيل ، ولا يزال المتخيل مراقبا لما تخيله حتى يقوى ، وفي الحقيقة ما أمرنا بالسجود للقبلة إلا لكون اللّه فيها ومعها ، فإذن العبد قبلة للحق تعالى في صلاته ، كما أن الحق قبلة للعبد . واعلم أنا قد افترقنا عن عبّاد الأوثان بأن وضعنا اسم الإله على مسمّاه ، ونسبنا ما ينبغي لما ينبغي بالإذن ، وهم وضعوا اسم الإله على غير المسمّى ، فأخطأوا ، فسمّوا جهلاء أشقياء ، ونحن سمّينا علماء سعداء ، فهم عبّاد الاسم فقط ، ونحن عبّاد الاسم والمسمّى ، فوقع التمييز بيننا وبينهم ، وأيضا فإن التخيل مأذون فيه ، ولا كذلك الأوثان المحسوسة ، فعلم أن السجود وإن كان للّه فلا يقع في الحسّ أبدا إلا لغير اللّه ؛ لأنه تعالى بكل شيء محيط ، والجهات كلها نسبتها إلى الحق تعالى ، أو نسبة الحق إليها على السواء ، وإنما كان لا يصحّ سجود من خرّ على قفاه وإن كان الحق
هامش
( 1 ) ذكره المصنف في العهود المحمدية ( ص 286 ، 287 ) .