تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
بالمرئيّ ، بخلاف المشاهدة يتقدّمها علم بالمشهود ، وهو المسمّى بالعقائد ، ولهذا يقع الإقرار والإنكار في الشهود حين التجلي الأخروي ، ولا يكون في الرؤية إلا الإقرار . وأنشدوا :
قلوب العارفين لها ذهاب * إذا هي شاهدت من لا تراه
وذا من أعجب الأشياء فينا * نراه وما نراه إذا نراه
دليلي إذ يقول رميت عبدي * فلا تعجب فما الرّامي سواه
فما سمّي الشاهد شاهدا إلا لأن ما رآه يشهد بصحة ما اعتقده ، فكل مشاهدة رؤية ، وما كل رؤية مشاهدة ، قال تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ
[ محمد : 14 ] ، ومن هنا سأل موسى عليه السّلام الرؤية بقوله :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] ، وما قال : ( أشهدني ) ؛ فإنه تعالى كان مشهودا له ما غاب عنه ، وكيف يغيب عن رسول من أولي العزم ، ولا يغيب عن بعض الأولياء ! فما طلب موسى إلا تعجيل التجلي الخاصّ به في الآخرة ، حين طلب مقامه سؤال ذلك في الدنيا . وأما شهوده تعالى الذي يشهد الأولياء فذلك خبره وديدنه من مقام ولايته . واعلم أن الدليل البرهاني يقضي برفع المناسبة بين العالم وبين هويّة الحق تعالى ، فلا بدّ في رؤية من رأى من مناسبة بينه وبين المرئيّ ، ولا يصحّ ذلك إلا إذا صار الحق تعالى بصرا لعبده ، فإذا صار بصرا لعبده ذلك رآه لا محالة ، ويكون ممن رأى الحق بالحق ، فالرائي حينئذ عبد ، والمرئيّ حقّ ، والمرئيّ به حقّ . فما رأى الحق حقيقة غير نفسه من حيث هويّته ، وهذه أكمل رؤية تكون حيث كانت .