تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وأنشدوا :
جميل ولا يهوى جليّ ولا يرى * وتشهده الألباب من حيث لا تدري
وما ثمّ محبوب سواه وإنما * وإنّما سلمى وليلى والربائب للستر
وما ثمّ مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية من هذا الذي ذكرناه . واجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة ، لا تراه أبدا البتة ؛ ولكن إن قلت : إن المنطبع في المرآة صورتك صدقت ؛ لأنها نشأت من مقابلتك ، وإن قلت : إنها غير صورتك صدقت ؛ لأن صورتك لم تنتقل ، فافهم هذا ؛ فإنه من أعظم ما قدرنا عليه في العلم . ومن ذاقه فقد ذاق الغاية التي ليس فوقها غاية في حقّ المخلوق بالنظر للمرئي لا للرائي ، فإن الناس متفاوتون في كثافة الحجب وصقالة المرائي ، فلا تطمع يا أخي ولا تتعب نفسك في أن ترقى إلى أعلى من هذا المرقى ، فما هو ثمّ أصلا ، وما بعده إلا العدم المحض ، فهو تعالى مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسمائه ، ثم لا يخفى أن من المحال أن يكون لعبد الرب كله . كما أن من المحال أن يكون لعبد القرآن كله ، فلكل مخلوق ربّ ؛ فافهم . وذلك هو الجزء والمدبر فيه لا غير ، ولو اجتهدت أن تأخذ لنفسك من المرآة فوق ما يخصّ صورتك لم تقدر ؛ وذلك لأن اللّه تعالى واسع عليم ، وتأمّل المرآة إذا كانت كرة وقوبلت بالعالم العلوي والسفلي وسعته ، وارتسم كله فيها ، فلذلك قررنا غير ما مرة أن الحق تعالى قد تعرّف إلى كل مخلوق بوجه لا يشاركه فيه غيره ، فما أحاط به أحد من كل وجه ، ولا جهله أحد من كل وجه .