وفي بعض الهواتف الربانية : « جهلني عبادي فلم يعرفوني ، وكيف يدّعون معرفتي وأنا لا جسم ولا معنى ؟ ! ولو عرفوني في الدنيا ما أنكروني حين أتجلى لهم في القيامة ، فهم لعلامتهم عابدون لا لي ، ولعين ما أنكروه مقرّون ، فمن قال منهم أنه عبدني فقد كذب » انتهى .
ولا يخفى أن ذلك في حق الضعفاء من المؤمنين ، أما العارفون فلا ينكرون الحق تعالى في تجلّ من تجلياته ؛ لاطلاعهم في دار الدنيا على المرآة الكبرى الجامعة لسائر الصور ، المتفرع منها كل معرفة في العالم ، فهم يوم القيامة واقفون لا يتكلّمون ، ولا يستعيذون منه كما استعاذ غيرهم ، حتى تنقضي جميع التجليات .
وقد علموا من اللّه تعالى أنه لا يريد منهم أن يعرّفوه لأحد من المنكرين في ذلك اليوم العظيم ؛ ليجنوا كلهم ثمرة اعتقادهم في دار الدنيا .
وفي قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر « 1 » » .
وفي رواية : « كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب « 2 » » .
اعلم أن النور الذي يتجلى الحق تعالى فيه في الآخرة إنما هو نور لا شعاع له ، فلا يتعدى ضوؤه نفسه ، ويدركه البصر في غاية التجلي والوضوح .
فمعنى قوله : « كما ترون القمر ليلة البدر » : يعني إذا كثف ليلة بدره ؛ لأن عند ذلك يدرك البصر المثال المشبّه بالقمر إدراكا محققا .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 7434 ) ، ( 7435 ) ، ( 7436 ) ، ( 554 ) ، ( 573 ) ، ومسلم ( 1 / 439 ) ، وأبو داود في السنن ( 4729 ) ، والترمذي ( 2551 ) ، والنسائي في الكبرى ( 1 / 176 ) ، وأحمد في المسند ( 4 / 360 ، 362 ، 365 ) ، وفي السنة ( 37 ، 38 ، 183 ) ، وابن ماجة ( 177 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 277 ) ، ومسلم ( 1 / 164 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 457 ) .