وإن كان وجود الربّ هو الأصل ففي مرتبة يتقدّم فيكون له الاسم الأول ، وفي مرتبة يتأخر ، فيكون له الاسم الآخر ، فيحكم له بالأصل من نسبة خاصّة ، ويحكم له بالفرع من نسبة أخرى ، كما قال تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] هذا يعطيه النظر العقلي .
وأما الذي تعطيه المعرفة الذوقية فهو تعالى ظاهر من حيث ما هو باطن ، وباطن من حيث ما هو ظاهر ، وأوّل من عيّن ما هو آخر ، وآخر من عيّن ما هو أول ، وإزار من نفس ما هو رداء ، ورداء من نفس ما هو إزار ، ولا يتّصف بنسبتين مختلفتين أبدا كما يقرره ويعقله العقل ، من حيث ما هو ذو فكر .
فافهم تعلم أنه لا يكلف الإنسان بمعرفة أخصّ وصف للّه تعالى ؛ لأنه ليس لذلك الوصف الأخص في المبتدعات والمخلوقات مثال ، وكل ما لا مثال له فلا علم للإنسان به ولا اسم له عنده ولا علامة .
ومن هنا قال من قال : ( لا يعرف اللّه إلا اللّه ) ، أعني أخصّ وصفه وكنه معرفته ، كما سيأتي بسط ذلك في الميزان إن شاء اللّه تعالى .
واعلم أيضا أن مشاركتنا للحق في مطلق الصفات لا تشبيه فيه ؛ لأن شرط التشبيه إثبات المشاركة في الوصف الأخصّ ، وهذا لا يصحّ .
كما أن من قال : ( إن السواد عرض موجود ، وهو لون ، والبياض عرض موجود وهو لون ) لا يكون مشبّها السواد بالبياض ، فتأمّل ذلك ؛ فإنه نفيس .
وفي الرؤية بالبصر في الدنيا : رؤية الحق تبارك بعين البصر في هذا الدار ممنوعة لغير سيّدنا محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وما بقي لغيره إلا الشهود بالقلب دون الرؤية بالعين ،