عين كذلك العبد وإن خلقه اللّه تعالى على صورته فلا يجتمع معه في حدّ ولا حقيقة ؛ إذ لا حدّ لذاته تعالى ، والإنسان محدود بحدّ ذاتيّ ، لا رسميّ ، ولا لفظيّ ، فالإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته .
فإذا وقفت يا أخي على هذا الميزان زال عنك ما تتوهمه في الصورة من المشاركة للحق في الحقيقة ؛ فإن اللّه تعالى هو الخالق ، وأنت العبد المخلوق ، وكيف للصنعة أن تعلم صانعها ! إنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته ، وأنت صنعة خالقك ، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك ، هكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حدّ واحد وحقيقة واحدة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها ، والأمر كذلك على خلاف ذلك .
فاعلم بأيّ ميزان تزن نفسك ، فإنك صبخة حديد يوزن بها ما لا ثمن له ، وإن اجتمعت مع الموزون في المقدار ، فما اجتمعت معه في القدر ولا في الذات .
تعالى اللّه عن ذلك ، وإنما قال فيما تقدّم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه « 1 » » ، ولم يقل : ( فقد عرف ذات ربه ) ؛ لأن الذات لها الغنى على الإطلاق ، وأنّى للمقيّد معرفة المطلق الذي هو اللّه ، بخلاف الاسم الرب ؟ ! فإنه يطلب المربوب بلا شكّ ، ففيه رائحة التقييد ؛ ولذلك أمر اللّه تعالى العبد أن يعلم :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
[ الأنعام : 19 ] ؛ لأن الإله يطلب المألوه ، بخلاف اسم الذات الخصيص ، فإنه غنيّ عن الإضافة .
وهنا أمر ينبغي التفطّن له ، وهو أن معرفتنا بالربّ لا تكون إلا فرعا عن معرفتنا بالنفس ؛ إذ هي الدليل .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .