لإجازته لدخول الدار ، فينتفي كون الشخص بغداديّا بانتفاء هذه الإجازة ، وليس كونه بغداديا سببا لدخول الدار حتى ينتفي كونه بغداديا بعدم دخوله الدار ؛ فافهم فإنه مزلة قدم .
فظهر من فحوى هذه الآية أن الطريق مسدود عن إثبات المعارف التي هي علوم الحقائق الموجودات من ذات الواجب وصفاته وسائر الموجودات ، ومسدودة أيضا عن مقامات القرب التي هي الأخلاق والأعمال إلا بالزهد والتقوى عن محبة الدنيا وعن محبة المكاره والفضول وعن محبة النفس وصفاتها ، فإنها حينئذ تفتح الطريق ويكون طالبها من أولئك الفريق ، وذلك أن أدنى معية تكون حجابا عن القلب حتى تمنعه الصفاء عند ذكر اللّه ونحوه من الأعمال الصالحة ، فيكون منعا من مواطئة الباطن الظاهر ولو بوجه ما وذلك نفاق في طريق الخواص .
وذلك لأن القلب في غاية الرقة واللطافة كالمرآة الصقيلة تتكدر بأدنى نفس وماء ، وبصفاء التقوى وكمال الزهد يتصقل القلب ويصير العبد راسخا في العلم ، وغاية ذلك أنه يطلع على ما أراده اللّه تعالى من خطابه في كتابه العزيز من العلوم الغير المتناهية التي لأجلها لا تنحصر عجائب القرآن ، ولا يخلق بكثرة الرد .
وقد نقل الإمام الغزالي - نفع للّه به - في « الإحياء » عن بعض السلف - نفع اللّه بهم - أن لكل آية من « القرآن » ستين ألف فهم ، وما بقي من فهمها أكثر ، ولهذا يحتاج الفهم إلى الوقوف على معرفة جميع العلوم والاطلاع على همم الخلائق أجمعين كما قاله أبو سعيد الخراز نفع اللّه به .
ونقل الغزالي عن بعضهم أن فهمه يحتاج إلى خمسة وسبعين ألف علم ومائتي
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 298
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٩٨