تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
قلت : وكأني بمعترض من الأنام قد فوق إلى سهام الملام . وقال : قد أطال صاحب هذه التعليقة في هذا المرام الكلام ، وكأنه لم يعرف المناسبة الحاملة لي على إثبات هذه الفوائد العظام ، أي ما يدري أن لفظ سالك يجر جميع ذلك ، أو كل ما ذكر يحتاج إلى التنبيه عليه طالب سلوك طريق الحق لئلا يقع فيزل أو يتزندق ، هذا ولعمري إن ما تركنا التنبيه عليه أكثر والعارف المحقق النّحرير بذلك أخير ، ولكن بما ذكرناه من لوائح الإشارات يتدرج السالك إلى ما تركناه من صريح العبارات ، وعلى كل حال فالأعمال بالنيات ، واللّه العالم بخافي الطويات .

[ أسباب خشية العلماء : ]

وأما قوله في النظم : « فاعلمه ، واعمل » ففيه إشارة خفية إلى إنكار إطلاق العلم على المخل بالتقوى ، قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] أي : لا يخشى اللّه من عباده إلا العلماء به ، وذلك لمعرفتهم بأنواع مكره تعالى وعدم مبالاته بإهلاك العالم كله ، قال اللّه تعالى :
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ المائدة : 17 ] ولمعرفتهم أيضا ، ورؤيتهم الحكمة والصواب في الانتقام من أهل المعاصي ، وإنما ذكر بكلمة « إنما » ليدل بلفظه على انتفاء الخشية من غير العلماء ، وبفحواه على انتفاء العلم ممن لا يخشى ، لأن العلم سبب ولا يتخلف السبب عن المسبب ، فالخشية من لوازم العلم ، فينتفي العلم عمن لا يخشى اللّه تعالى لانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم . تقول مثلا : إنما يدخل الدار بغدادي ، فينتفي دخول غير البغدادي الدار ، ولا يلزم منه كون غير الداخل ليس ببغدادي ، إلا أنه يدل على كونه بغداديّا سببا