تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ذلك الحال وهو رؤية كمال أفعال الحق ورحمته ، ثم يعارض طبع النفس إلى خلافها عند مخالفة هواها حتى تدرك السالك معونة اللّه تعالى ، فيظهر على الرضا ويصير ذلك مقامه ، فالسالك بالأحوال يرتقي إلى المقامات ، فالأحوال لكونها مواهب حقّانية صارت أسبابا لفعل الحق في ترك السالك بالأحوال إلى المقامات ، إذ يصح كون بعض أفعال الحق سببا للبعض ، كالتمريض للإماتة ، وإنزال المطر لإنبات الشجر ، وكالاسترسال في المعاصي يترتب عليه الانتقام والتعذيب ، وإن كان الكل للّه بالخلقة ، وأفعاله تعالى غير معللة ؛ لكن بعضها علامات للبعض الآخر ، كما أن الصحة علامة للبقاء . وكذلك لا يكمل مقام السالك الذي فيه إلا بنازل حال من المقام الذي فوقه ، لأن الأحوال المستقبلية أسباب لاستقرار المقامات السابقة ، فلا يستقر مقام استقراره الكامل إلا بنازل حال مما فوقه ، وذلك أن السالك يعطى في مقامه حالا من المقام الأعلى الذي سوف يرتقي إليه ، فبوجدان ذلك الحال يستقيم أمر مقامه الذي هو فيه ، ويجوز أن يتحقق مقام وجود داعية الطبع إلى خلافه ، مثلا : مقام الرضا ، يثبت ويحكم ببقائه مع داعية الطبع ، وذلك مثل كراهة يجدها الراضي بحكم الطبع ولكن علمه بمقام الرضا يغمر حكم الطبع وظهور حكم الطبع في وجود الكراهة المغلوبة بالعلم لا يخرجه عن مقام الرضا ، لأن الحكم للغالب والمغلوب كالعدم . لكن ظهور حكم الطبع في وجود الكراهية يفقد حال الرضا ، وذلك لأن الحال لا يكون مع النفس ولا يجامعها أصلا كالدّهن لا يمتزج بالماء ، بل يكون فوق الماء ، فكذا الحال لا يكون ساترا للنفس ، فإذا ظهرت النفس زال ، وإن لم تظهر فلا سبب يوجب زوال الحال ، ولذلك سمى حالا لتحوله وزواله ، كما يسمى المقام مقاما لثبوته واستقراره . نعم ! من الأحوال ما لا يكون مقاما أصلا .