وأنت قد علمت أيها الطالب مما قدمناه أن موت القلب من شهوات النفس ، وأن السالك كلما رفض شهوة من شهوات النفس نال القلب من الحياة بقسطها .
واعلم أيها الطالب الراغب أن من آداب المريد مع شيخه ألا يستقل بواقعته وكشفه دون مراجعة شيخه ؛ لأنه لضيق علمه لا يقدر على دفع ما اشتبه عليه ، فلا يعلم أنه من عند اللّه أو من عند نفسه ، فإذا راجع الشيخ علمه الشيخ الواقعة ، فإن الشيخ علمه أوسع ، فإن لم يلمه في الحال رجع اللّه تعالى وافقه الشيخ المفتوح إلى اللّه تعالى « أكبر » ؛ فإن كان واقعة المريد من اللّه تعالى وافقه الشيخ عليها وأمضاها ، وان كان في واقعته ؛ لكونها من نفسه شبهة تشتبه بها الواقعة التي من عند اللّه تعالى تزول هذه الشبهة بطريق مراجعة الشيخ ، فإنه يعرف الفرق بين ما هو من النفس وبين مت هو عند اللّه ، ويكتسب المريد بتعريف الشيخ له علما بصحة الوقائع والكشوف في المستقبل ، ولا يعلم ذلك الآن لضيق علمه ، فالمريد لعله في واقعته تخالطه إرادة كامنة في نفسه فتشتبه تلك الإرادة الكامنة بالكشف الصحيح ، سواء كان في المنام أم في اليقظة .
ولهذا الاشتباه سر عجيب ، وذلك أن النفس عند إرادة شيء عليها تستخرج الصور الخيالية وتجعلها كالحاصلة عند المريد لشدة شغفها بمطالبها ، وهذا في المنام كثير ، وقد يقع في اليقظة إذا غلبت على النفس شدة الشغف بذلك الأمر واستغرقت فيه .
ومما ينبغي أن تعرفه أيها الطالب الراغب تداخل الأحوال والمقامات ، وهو أنه ما يتم للسالك مقام إلا بنازل حال مما قبله ، فلا يوجد مقام إلا قبل سابقة حال ، وذلك مثلا مثل حال الرضا ، فإنه ابتهاج القلب بكل حلو ومر ، ولا يزال يتردد نازل
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 283
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٨٣