تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
واعلم أيها الطالب الراغب أنها لا تكمل لك الخلوة إلا بمحو اسمك من القوم ، وذلك بأن لا تستحلي اعتقاد الخلق فيك لكونك تخليت عنهم ، وذلك بأن تترك استقبال باطنك وتواجهه إليهم وإلى ما يقولون فيك ، بل تستقبل جدار خلوتك ولا تلتفت إلا إلى شانك حتى تفنى نفسك بالكلية ، فإن الوحدة والخلوة موصلان إلى الفناء ، بل موصلان إلى المقامات كلها من البدايات والنهايات . وأما المحبوب فهو إلى تنبعث من باطنه - أي الروح أو القلب - داعية الخلوة فتنجذب نفسه المطمئنة إلى ذلك طوعا ، وهذا أتم من جهة نفسه إذا ليس فيها نقصان الأمارية ، وأكمل من جهة القلب إذا ليس فيه من كدورة نفسه شيء ، وأدل على كمال استعداد روح حيث كان مناسبا للحضرة الإلهية بلا واسطة كسب سابق ، وهذه الحالة - أي حالة المحبوبية - كانت حالة حبيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، إذا روي عن حاله ما يدل على ذلك ، واعلم أنه ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم من رواية عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال صلى اللّه عليه وسلّم : « ليأتينّ على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية ومن شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالثعلب الذي يروع . قالوا : ومتى ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي اللّه ، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة قالوا : وكيف ذلك يا رسول اللّه وقد أمرتنا بالتزويج ؟ ! قال : إنه إذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه ، فإن لم يكن له أبوان فعلى يد زوجته وولده ، فإن لم يكن له زوجة ولا ولد فعلى يد قرابته قالوا : وكيف ذلك يا رسول اللّه ؟ ! قال : يعيرونه بضيق المعيشة فيتكلف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة » « 1 » انتهى .
هامش
( 1 ) رواه الخطابي في العزلة ( 9 ) .