تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
الواجدين على ما كرنا أولا ، ومع لك لو منعوا من الحركة لتضروا بذلك لأن زعقة الواجد يحصل له بها التنفس ، وهي وإن كانت بنوع إرادة ، فإن تلك الإرادة من زجه بالاضطرار ، فكيفي نوع من الاضطرار ولا يضر بقية الاختيار ، وإلا فلو صبر الواجد وألزم نفسه الاصطبار لربما أفضى ذلك إلى الهلاك الكلي أو الإضرار بنفسه والكل حرام فافهم .

[ أصناف الصادقين في دخول الخلوة : ]

واعلم أن الصادقين في دخول الخلوة على قسمين : محب ومحبوب . فالمحب يدخل على مراغمة النفس الأمارة بالسوء ليحل له الإخلاص والصدق ، وإنما كان مراغما لنفسه ؛ لأنها بالطبع كارهة للخلوة لمنافاتها مخالطة الناس ، والنفس بالطبع ميالة إلى المخالطة ؛ لأن شهواتها لا تتم بدون المخالطة والمخالطة في الغالب مانعة عن أصل العبادات ، فإن تكلف تحصيلها دعته إلى الرياء والنفاق وسائر المعاي والشهوات . والنفس إذا أزعجها المريد عن عادتها التي استقرت عليها من الصغر ، وذلك بحبسها في طاعة اللّه تعالى تألمت بذلك لأنه على خلاف مقتضاها ، فيحل لها كل حين مرارة ، وكل مرارة تدخل عليها تعقب حلاوة في القلب ، لأنه بالطبع مائل إلى الجناب العلوي ومائلة إلى الجناب السفلي على خلاف طبعه ، لكن تغلب عليه النفس ويساعدها على ذلك لأنها تلميذته فتجب القلب إلى جانبها ، فإذا أدخل عليها المريد مرارة الطاعات ضعفت عن ذلك الجذب فيرجع القلب إلى مقتضى طبعه فتحصل له حلاوة الطاعة ، وكلما حصلت له حلاوة الطاعة أحب الإخلاص فيها والصدق لتحصل له الطاعة سالمة ، والمحب سلامة المحبوب ، ولما وجد حلاوة الطاعة صارت محبوبة له فأحبّ سلامتها .