المعرفة التامة والآخرة إلى الدنيا بالاستغراق في المحبة الإلهية ، ثم تنكشف له الحقائق حينئذ أتم كشف بحيث يصح أن يقول ما قاله سيدنا علي كرم اللّه وجهه : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » أي : بل ربما ازددت وضوحا ، فإذا تم له الكشف أطلق من وثاق الحال ، قلا يتقيد بحال بل يكون مسلطا على الحال ولا عكس ، فيصير حرّا من كل وجه .
والشيخ الأول المذكور في القسم الثالث وهو الذي أخذ في طريق المحبين أولا ثم صار محبوبا آخر حرّا من رق النفس إذ فنيت عنه حتى وقع في الأحوال ، ولكن ربما كان باقيا في رق القلب حيث غلب عليه الحال .
وإنما قلنا : « ربما » ؛ لأنه يلحق بالقسم الرابع في عدم غلبة الحال عليه ، بل يصير هو غالبا عليه ، وهذا الذي هو مأخوذ في طريق المحبين أولا ، ثم رد إلى وصول الأعمال حرّا من رق القلب ، فلا يحجبه الحق عن الخلق ولا الخلق عن الحق ، وذلك لأن النفس حجاب ظلماني يحجب عن الحق بالخلق أعتق منه الشيخ أولا المحب المغلوب عليه بالحال آخر ، والقلب حجاب نوارني يحجب عن الخلق بالحق لاقتصار نظره على الوجود العلوي ، وقد أعتنق منه الشيخ الثاني ، فلا يحجبه شي عن شي ، فلا يغلب عليه الحال فضل عن النفس ، وإذا أعتنق عن القلب والحال صار لربه خالصا ، وإذا صار له من غير تقييد بشي عبد للّه حقا يقينا وآمن به صدقا من غير حجاب ، فيكمل في ذلك حتى يستتبع أعضاؤه وقواه ، وحينئذ يسجد للّه سواده الذي هو جسمه وخياله الذي هو وباقي المعاني الباطنة بالعبادات الظاهرة والمساعي الباطنة ، وحينئذ يؤمن باللّه فؤاده إيمان اعتقاد عن المشاهدة والمعانية ويقر بذلك الاعتقاد لسانه كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في بعض سجوده : « سجد لك سوادي وخيالي ، وآمن بك
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 249
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٤٩