هذا من جهة الأكل والشرب ، وأما من جهة النوم : فمن ذلك ما وقع للقطب الشريف الأستاذ عبد الرحمن السقاف علوي - نفع اللّه به - أنه هجر النوم أكثر من خمسة وثلاثين عاما ، وكما وقع لحفيده الأستاذ عبد اللّه العيدروس أنه مكث أكثر من عشرة أعوام ولم يرقد ليلا ولا نهارا ، وكما وقع لصاحب العيدروس سيدي سعد بن علي المذكور أنه مكث مدة من أعوام ولم يرقد ليلا ولا نهارا ، وكما وقع لولد العيدروس سيدي القطب الشريف الأستاذ أبي بكر - نفع اللّه به - أنه مكث أكثر من ثلاثين عاما لم يستغرق فيها قط في نومه قدر ثلاث ساعات ليلا ونهارا ، ومثل ذلك كثير من أولياء اللّه تعالى ، ومن تتبع مظانّه وجده فيها .
واعلم بأن المعين المذكور من الطي والتقلل لو أنه عين الفضيلة ما فات أحدا من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يبلغ من ذلك أقصى غاياته ، ولا شك أن لذلك فضيلة لا تنكر ، ولكن مواهب اللّه لا تنحصر في ذلك ، فقد يكون من يأكل كل يوم أفضل ممن يطوي أربعين يوما ، وقد يكون من لا يكاشف بشي من أنواع القدرة أفضل ممن يكاشف بها إذا كاشفه اللّه تعالى بصرف المعرفة ، والقدرة أثر من المقام ومن أهل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئا من القدرة ويرى أن القدرة تتجلى له من سجف أي باطن أجزاء عالم الحكمة فافهم .
واعلم أن اللّه تعالى خلق الروح الإنسانية من نور ذاته ، وأودع فيها بواسطة العقل جميع العلوم الإلهية ، فهي مجبولة على درك الحقائق بالفطرة أصالة ، وإنما حجب الناس عن إدراك ذلك حكم الجسم الذي امتزجت به الروح فتنزلت وتسفلت ، فإذا أخذ العبد في الرياضات أخذت الحجب في الارتفاع ؛ لأنه إذا قلل الطعام والكلام والمنام والاختلاط بالأنام سقط فيه الجسم عن الروح .
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 233
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٣٣