والشراب المحسوسين لكونهما خسيسين بالنسبة إلى ذلك غاية الخسة ، قال ذلك صلى اللّه عليه وسلّم حين سئل عن وصاله الصيام مع منعه عنه لغير أهله لئلا تضعف آلتهم فيتخلفون عن العبادة المقصودة أيضا ولا يقدر على ما وصفناه من الطي إلا عبد تصير أفعاله غير العبادة وأقواله غير التلاوة والذكر والتسبيح والاستغفار وسائر أحواله مما يتعلق بأمر الآخرة ضرورية ، لأن ذلك يعود النفس الضروريات ، فتتناول من الطعام أيضا بقدر الضرورة ، وإلا ظهرت النفس بطغيانها ، فإذا طغت في باب لا تنضبط في آخر ، فلهذا لو تكلم مثلا بكلمة من غير ضرورة التهبت فيه نار الجوع التهاب الحلفا بالنار ، وذلك أن النفس الراقدة أي التي صارت بالرياضة قريبة من الموت الإرادي الذي هو الفناء ، لكنها لم تمت بالكلية بل أشبهت النائمة تستيقظ بكل ما يوقظها من الفضوليات ، وإذا استيقظت عملت بجميع مقتضياتها ؛ لأنها بوجدان الفضول انتزعت إلى هواها .
وإذا علمت أن الردّ إلى الضرورات واجتناب الفضوليات شرط القدرة على الطي ، فالعبد المراد بهذا يسهل عليه الطي إن فطن لسياسة نفسه بحيث تتميز له الضرورات من الفضوليات ، فلا يمكن أن تلبس عليه نفسه بدعوى الضرورة في بعض الفضوليات ، وذلك إذا رزق العلم الكامل بالتمييز ما بين الضروريات والفضوليات ، ولم يزل لك دأبه وحاله مع نفسه إلى أن تدركه المعونة من اللّه تعالى بأن يعطيه فرحا ينسيه الطعام والشراب .
لا سيما إن كوشف بشيء من المنح الإلهية جزاء على الصبر والطعام فإنه يغلب عليه الفرح لا محالة ، كمن فتح عليه بتفاحة بعد انتهاء جوعه إلى الغاية ، وغلبت النفس عليه ففتح التفاحة لقصد أن يأكلها فكوشف بحوراء من الجنة من
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 231
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٣١