ونحو ذلك قولهم : إن سهر الأنس ما يضر ، لأن طبع النوم بارد رطب وطبع الأنس بارد رطب ، فإذا عدم أحدهما ووجد الآخر قام مقامه ، فلذلك العارفون لأنسهم بالمحبوب الحقيقي ما يضرهم السهر .
واعلم أن ذلك الفرح باللّه تعالى إنما يحصل لمن يطوى للّه خالصا عن شوب هوى كان في النفس فيعوضه اللّه عند ذلك في باطنه ذلك الفرح بحيث ينسيه ذلك الفرح الطعام والشراب لكونه عن لذة حقيقة قوية ، ولذة الطعام إنما كانت عن لذة ضعيفة ، وأما من يطوي من غير إخلاص فهو بمعزل عن ذلك الفرح ، وإنما يعوض اللّه ذلك المخلص الفرح به لأنه قد خلا عن العوائق الصادرة له عن طريق الحق فيصادف المحبوب الحقيقي بلا حجاب ، فيغلبه الفرح حتى نسي الجوع والطعام والشراب ، وقد لا ينسى الطعام والشراب ؛ ولكن لما امتلأ قلبه بأنوار من تجلى لروحه انجذب إلى عالم الروح الروحاني بعد ما كان مترددا بين الروح والنفس لقوة جاذب الروح الروحاني حتى إنه ينجب إلى المركز الآلي ومستقره من العالم الروحاني الذي هو من عالم العقول العالية .
ويعتلي بذلك الجذب عن أرض الشهوة النفسانية لضعف جاذبها كأنه ليس بجاذب أصلا ، وذلك لطمأنينة النفس وانعكاس أنوار الروح عليها بواسطة القلب المستنير بنور الروح من وجه المنير للنفس من وجه آخر ، فإذا انجذب القلب إلى قعر الروح تبعته النفس المطمئنة فتجانس القلب ، فإذا جانست النفس القلب بانعكاس نور الروح الواصل إليها بواسطة القلب ، فحينئذ يصير في النفس روح أي نور روحاني كأنه هو الروح كالحرارة النارية في الخشب عند مجاورته للنار ، فإنه يصير كأنه هو النار .
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 229
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٢٩