تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
يحصل للقلب الحقيقي وإن كان على سبيل الخلافة والنيابة ، لأن لتلك اللطيفة الإنسانية بهذه المضغة اتصالا ما وتعلقا خاصا كأنها عشها ومسكنها ومأواها ، وبينهما نوع اتحاد كأن الامتياز مفقود . وقد يشتركان في بعض الأحكام ، ويظهر التحرك في المضغة من ذكر القلب الحقيقي ، وإلى القلب الحقيقي الإشارة بقوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ ق : 37 ] ولو كان المراد بالقلب هو اللحم الصنوبري الشكل ، فذلك موجود لكل حتى البهائم والموتى . وأما الروح الحيواني المتقدم ذكره ، فهو وإن كان في الأصل عاما إلا أنه صار بورود الروح الأمر العلوي عليه كأنه جنسا آخر مباين لجنس أرواح سائر الحيوانات ، لأنه اكتسب من تعلق الروح الأمر العلوي به صفة أخرى من كمال التسوية واعتدال المزاج حتى صار في غاية اللطافة حتى أشبه القلب الذي هو النفس الناطقة ، فصار نفسا محلا للنطق أي محلا لظهور القوة المفكرة التي تتعلق بالقوة العاقلة التي هي قوة القلب ، وصار محلا للإلهام أي إلقاء المعاني من غير طريق الحواس حتى صار محلا للقسم الإلهي في قوله تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
[ الشمس : 7 ] ، أقسم بالروح الحيوان عند تسويته باعتدال المزاج لصيرورته نفسا قابلة لإلهام الفجور والتقوى اللذين هما مظهر إجلاله وجماله ، وإلهامهما إلقاء داعيتهما ، فتسويتها بورود الروح الإنساني العلوي الأمري عليها إذ قبل وروده كانت كسائر أرواح الحيوانات بعيدة عن الاعتدال جدّا ، فلما ورد عليها الروح حصل لها اعتدال انقطعت به عن جنس أرواح الحيوانات حتى صارت قابلة لتجلي الجلال والجمال معا ، بحيث أقسم بها خالقا حتى كأنه يقسم بذاته لاشتباه المظهر بالمظهر .