تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
من الحق ، ولمة الشيطان إذا حركت هوت النفس بجبلتها إلى مركزها من الغريزة والطبع ، وظهر منها بحركتها خواطر ملائمة لغريزتها وطبيعتها وهواها بحيث تلح بذلك وتصر على طلبها ، وأما إذا تحقق السالك بالفناء فتنتفي عنه حينئذ جميع الخواطر حتى الربانية ، لأن الخواطر رسل ولا يحسن الإرسال مع غاية القرب ، لأنه حينئذ تجرد عن الآثار المحدثة وانغمس في بحر الأنوار الإلهية التي لا يمكن تصور الخاطر فيها ؛ إلا أن العبد قد يرد من حيث عبوديته من مقام الفناء إلى مقام البقاء الذي لا يحجب فيه الحق عن الخلق ولا الخلق عن الحق ، لأنهما لا يتغيران تغايرهما قبل الفناء ، وحينئذ يرد إليه وجوده الخاص به الذي كان متعلق أقسام الخواطر مطهرا عن الصفات الذميمة التي كانت له قبل الفناء فيتصف بالصفات الحميدة الإلهية ، ويتنور وجوده بنور الحق من غير مغايرة كلية تتوهم قبل الفناء ، فيعود إليه من حيث وجوده الخاص به مطالبات النفس وخواطرها الطالبة حقوقها ، وهي حينئذ استحقت إدخال الرفق عليها بإعطاء حقوقها التي لو امتنعت لاختلت أفعالها من اختلال عقلها وقواها ، فيختل الأمر وتعود إليه أيضا خواطر الحق حينئذ وخواطر املك ولا تعود إليه خواطر النفس الطالبة للحظوظ ، فإن حصل منها شي في ذلك فلا يمكنها منه ، فإنها وإن بلغت ما بلغت ، فيها جهالة لا تميز بين ما ينفعها وبين ما يضرها ، فهي بمثابة الطفل الذي يتعاهد بما ينفعه ويمنع عما يضره ، بل حينئذ يقسم بينها وبين القلب بالعدل ، وذلك بأن يعطيها القلب هواها مما تستحقه وتعطى القلب حقه من المتابعة في طاعة اللّه تعالى ، وكذلك لا تعود إليه هنا أيضا خواطر الشيطان كما يشير إليه قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] « 1 » .
هامش
( 1 ) اعلم أن الشيطان كاذب ؛ لأنه كافر ، والكافر لا يتحاشى عن الكذب غالبا إلا في هذا المحلّ ونحوه ، فإنه صدق فيه من جهة معرفته أنه لا بد له على المخلصين ؛ وهم عباده المضافون إلى الكاف في هذه الآية ، وإلى الياء في الآية التي بعدها ، وهي قوله تعالى :إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ[ الحجر : 42 ] . وفي هذه الإضافة تشريف لهم جدا من حيث إنهم عباده تعالى لا عباد الشيطان والنفس ، والهوى ، والدنيا ، ففيه إشارة إلى أن من اتّبع خطوات الشيطان ؛ فإنه في حكم عبد الشيطان .