والنفس ، والروح علوي من عالم الأمر ، والنفس سفلية من عالم الخلق ، وخاطر من الحق يحس به من فوق القلب لأنه تعالى فوق الكل ، على أن إلقاء الخاطر أولا على الروح وهو فوق القلب ، وخاطر من الملك يحس به عن يمين القلب ؛ لأن الملك جاثم على يمين القلب لأنه جهة قوية أخروية ، وخاطر من الشيطان يحس به عن يسار القلب ، لأن الشيطان جاثم على يساره لأنها جهة ضعيفة دنيوية .
وهذا الذي قيل من إحساس كل خاطر من جهة معينة إنما يصح لعبد أذاب نفسه بالتقوى والزهد حتى حصل الصفاء لجميع ظاهره وباطنه ، ومن هذا الصفاء حصلت الاستقامة لظاهره وباطنه ، فحصل كل شي في موضعه المعين ، ولولا هذه الاستقامة لأتى الشيطان من الجوانب كلها كما قال :
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
[ الأعراف : 17 ] وعلى تقدير التعين لا يعرف الشيطان أنه من أي جانب ، ورد عند عدم الصفاء ، وأما عند الصفاء ، فإنه تصير قلب العبد كالمرآة المجلوة لا يأتيه الشيطان من ناحية إلا ويبصره فيأخذ الشيطان موقعا معينا ، إذ لا يبقى له موضع آخر يسعه لاشتغال العبد بما يختص به عند استقامته الحاصلة من صفائه ، وإنما يبقى للشيطان موضع مع استقامة العبد لأنه ربما يغفل العبد فيجد الشيطان فرصة لكن العبد كثيرا ما يبصره بأقل ذكر قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 21 ] ، والذكر موجب للنور الموجب للإبصار ونور الذكر يتقيه الشيطان كاتقاء أحدنا النار وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم :