والعبد يظن أنه بنهوض القلب اغترارا بظاهره لدعوته إلى العبادة ، ومن ذلك أن العبد يجد الروح بالخروج من خلوته إلى بعض الصحاري والبساتين ، ويسهل له معه الذكر والفكر وسائر المساعي القلبية فيظن انه من طيبة القلب ، وليس كذلك إلا لما ضره إذا عاد إلى خلوته كما سيأتي ، بل هو من نشاط النفس ، وإنما ترائي له ذلك الوقت إنه من طيبة القلب ولبس عليه ، وسبب رؤيته إياه في ذلك الوقت أنه من طيبة القلب أن النفس تنفسح لخروجها عن مضيق الخلوة وتتسع ببلوغ غرضها وهو تسهيل هواها بالخروج إلى الصحراء والتنزه بفلواتها وأشجارها وسائر آثارها .
وإذا اتسعت النفس بعدت عن القلب وتنحت عن إيذائه وجذبه إلى أهويتها ، بل تكون ناظرة إلى متعلق هواها مما تراه في الصحراء ، فيتروح القلب عن إيذائها حينئذ لا بالصحراء بنفسها ، بل من حيث أن نفسه تعلقت بالنظر إلى ما في الصحراء فبعدت عنه فلا تؤذيه ، فتأتت له الأذكار والأفكار بسهولة وصفاء .
فهذا التروح يبعدها لكونها كانت ثقيلة عليه عند توجهه إلى معاملاته ، فيكون كشخص تباعد عنه قرين يستثقله ، فيتروح ما دام متباعدا عنه ذلك القرين ، فمادام العبد في الصحراء يكون كذلك ، وإذا عاد إلى خلوته ، واستفتح ديوان معاملته مع اللّه ، وميز حالته حينئذ من الحالة التي كانت له إذ كان في الصحراء يجد النفس مقارنة للقلب ، لأنها إنما كانت متباعدة عنه لتنزهها بالصحراء ، فلما رجع منها رجعت إليه مع مزيد ثقل فيها موجب لتبرم القلب منها أكثر من تبرمها الأول معها ، لأنه قد زاد ثقلها ، وكلما زاد ثقلها تكدر القلب ، والقلب يتبرم بما يوجب كدورته ؛ لأن الكدورة خلاف طبعه الذي فطر عليه من الصفاء .
وسبب زيادة ثقل النفس بعد الرجوع من الصحراء أنها كانت في الصحراء
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 214
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢١٤