بينهما بأن أيهما عزيمة فيمضى وأيهما رخصة فيترك ؛ لأن الخاطر قد يراد به الرفق فالرخصة فيه أولى من العزيمة ، إذ ربما يعقب الرخصة وارد سرور أو بسط ، والعزيمة وارد حزن أو قبض انتهى .
[ الواردات أعم من الخواطر : ]
قال العارفون - قدس اللّه أسرارهم - : والواردات أعم من الخواطر « 1 » ؛ لأن الخواطر لكونها كلاما نفسيّا تختص أي : تتعلق - بذات صاحب الخواطر بنوع خطاب مما يتعلق به صاحب الخواطر أو بغيره أو مطالبة منه ، والورد كلما ينزل من جهة الحق على القلب - خواطر أو غيرها - كوارد السرور عند مشاهدة الجمال ، ووارد الحزن عند مشاهدة الجلال ، ووارد القبض عند توقع الحجاب ، ووارد البسط عند توقع الكشف .
وبنور التوحيد يقبل السالك الخاطر من اللّه تعالى ، لأنه إذا غلب عليه التوحيد قرب من الواحد القهار ، فقيل : الخاطر من النور التوحيد المتجلي على
هامش
( 1 ) قال الشيخ ابن سبعين : اعلم أن الواردات منها ما يكون كالشئ المتصل برباط ، ومنها ما يكون بالاتصال الأبلغ ، مثل المرتكز في الشيء ، ومنه ما يكون أبلغ وأعظم ، فالاتصال من الجميع كالشئ الملتحم في الشيء الذي هو به كالجزء منه ، كتركيب الشجر في الشجر .
فالوارد الأول هو وارد العلم فقط ، وهو الذي ذم به ابن طفيل في رسالته : « حيي بن يقظان » لابن الصائغ ، والثاني يقبل إذا ظهر في الذات ، والثالث يشرب من عين اليقين حق اليقين ، فافهم .
وهذا وجه لا نرضى به للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا نختاره له ، وإن كان ذكرته فهو فيك ولك لا له صلى اللّه عليه وسلّم ، ويمكن أنه أراد به الاستغفار لأمته على عدد ضروبهم ، فيستغفر للعصاة بمعنى ، وللطائعين بمعنى ، وللمحققين بمعنى أخر عند تفكره فيهم ، فإن الباقيات كثيرة لا سيما في غير المعصوم ، ثم أضاف نفسه في استغفاره أدبا مع ربه ، وعباده وحالا ، وعلى أكمل ما يمكن ، فإنه أعطى قانون الإطلاق الذي يقيد الخير بالذات كما أعطى جوامع الكلم ، ولم يتكلم قط إلا بها .