تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
روحه ، وبنور المعرفة يقبل الخاطر من الملك ؛ لأنه إذا عرف ناسب العقول والنفوس السماوية فالتحق بالملائكة ، وبنور الإيمان أي : بنور بصيرة القلب يرد هوى النفس ؛ لأن النفس متطلعة إلى خسة الأهوية النفسانية ، ومع خستها أي : النفس تفوت اللذات الحقيقة ، وبنور الإسلام أي ظاهر الشرع يرد العدو وهو الشيطان . وهذا كله في حق الكامل الذي أدرك حقائق الزهد حتى تنورت بصيرته وصفت معرفته وانتهى إلى عالم التوحيد ، وأما القاصر وهو من قصر عن درك حقائق الزهد - فضلا عما فوقها - من تنور البصيرة وصفاء المعرفة والانتهاء إلى عالم التوحيد ، فإنه يزن الخاطر أولا بميزان الشرع ، فإن كان فرضا أو مندوبا يمضيه ، وإن كان محرما أو مكروها ينفيه ، فإن استوى الخاطران لكون لكل منها مباحا فلينفذ أقريهما إلى مخالفة هوى النفس بعد التأمل التام في الأهوية الكامنة ، ويعتقد أن النفس لا تخلوا عن ذلك ، فما لم يظهر وجه الهوى فلا يمضى شيئا منهما . فإن النفس قد يكون لها هوى كامن في أحدهما ، ولا بد أن يكون من الأمور السفلية لمناسبتها لها ، إذ الغالب من شأن النفس الاعوجاج بالركون إلى الدون لكونه سفليا مثلها ، ولذلك قال الشاعر « 1 » :
إذا التبس الأمران فالخير في الذي * تراه إذا كلفته النفس يثقل
وكثيرا ما تلبس النفس الهوى الكامن بنشاط القلب حتى إنه قد ينزل الخاطر الداعي إلى العبادة بنشاط النفس بسبب هواها الكامن ، وذلك لما فيه من عجب أو رياء أو غيرهما .
هامش
( 1 ) قائله الأحنف بن قيس كما في سلافة العصر لابن معصوم ( ص 593 ) .