أرواحهم بإفاضة أرواحهم عليها ، ولقلوبهم على نفوسهم الإفاضات من ذلك لانقلاب هوى نفوسهم عن العالم السفلي إلى العالم العلوي ، حتى أنها ترى المشقات اللاحقة بها أعلى من اللذات الدنيوية ، فلم تبال بأهويتها الفانية ، كما أن لاعب الشطرنج لا يبالي بلذائذ الأطعمة والأنكحة إذا غلبت لذة اللعبة عليه ، لكونها لذة باطنية تغلب اللذات الظاهرة ، مع أنها لذة فانية ولذة نفوس العارفين لذة باقية فلا تقابلها هذه اللذة .
وأن يذكرها ما أعدّ اللّه لأحبابه في جنة عدن مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولذة النظر إلى وجه اللّه الكريم هو أعظم اللذات ، فإنها بهذه الذكرى تتدرج إلى الاطمئنان فيهون أمرها وإلا فغلبتها ليس بعذر لصاحبها إذ لا سلطان لها عليه إلا بما أطعمها .
وأما احتجاج النفس بالقدر من جهة ارتكابها المعصية ، فهو أعظم من معصيتها كما نبه عليه أهل المعرفة باللّه تعالى .
واعلم أن النفس إنما خفيت عيوبها على أكثر الناس لأنها عدو محبوب ، والمحب يكون أعمى عن عيوب محبوبه بحيث لا يكاد يراها عيوبا ، إذ مع المحبة لا يراها عيوبا ، ولصعوبة أمرها قال القطب العيدروس نفع اللّه به :
أجمع الصوفية على أن الحجب بين العبد وربه نفسه ، أعاذنا اللّه بقدرته من شرها . . . آمين .
ومن ثمّ قال اللّه تعالى لبعض أحبابه : « اترك نفسك وتعال » « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : النور في مناقب أبي يزيد طيفور للسهلجي ( ص 57 ) .