تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وقد روي أن الشبلي قال : شربت بالكأس التي شرب بها الحلاج فصحوت وسكر الحلاج ، فبلغ ذلك الحلاج فقال : لو شرب بالكأس التي شرب بها لسكر كما سكرت ، فبلغ الجنيد أمرهما فقال : نقبل قول الصاحي على السكران ، فرجح حال الشبلي على حال الحلاج . ولذلك قالوا : أكثر الشطح يكون من سكر الحال وغلبة سلطان الحقيقة ، فمن ثم من تم صحوه وخلص عن بقية السكر ونزلت في قلبه السكينة ستر الحقيقة بالعلم ، ووقف على حد العبودية ، فاعلم ذلك فإنه عزيز علمه ، إذ تنكشف به الالتباسات التي لم تزل خفية على أكثر أرباب القلوب . وقد قال عبد اللّه بن المبارك - نفع اللّه به - في قوله تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
[ الحج : 78 ] هو مجاهدة النفس والهوى ، وذلك حق الجهاد وهو الجهاد الأكبر على ما روى في الخبر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال حين رجع من بعض غزواته : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » . وذلك أن النفس هي العدو الأكبر الذي بين جنبيك ومفاسده مؤبدة عليك ، وإنما شرع الجهاد على الكفار لدفع مفاسدهم عن المسلمين العابدين للّه ، والنفس أعظم عائق منهم وذلك لأنها أكبر الأعداء ، لها دواعي مشتهية وأهوية مختلفة محبطة إلى السفل والهلاك الكلي ، مع أنه لا يجوز إتلافها لأنها المركب ، ولا يجوز أيضا تركها ، فلا بد من إلجامها بلجام التقوى ومنعها عن دواعيها وأهويتها المختلفة التي لا يطلع عليها إلا آحاد المحققين الممارسين لها ، فلا بد من جهادها بما يفيدها موتا جديدا كل
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 374 ) .
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 208 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )