الأمور الأخروية حتى يطلب معرفة النافع والضار الأخروي ، والنافع والضار إنما يعتبر عند أهل الحق بالنسبة إلى الأمور الأخروية مع أنه جاهل بحقيقة ما تطلبه النفس ، فيعتقد نفع كل ما تطلبه وضرر كل متهرب عنه ، ومع ذلك يلزمه الهوى ذلك وتعينه محبة الدنيا التي هي رأس الخطيئة « 1 » .
[ معرفة النفس : ]
وانكشاف بعض الخواطر دون البعض لوجود بعض هذه الأربعة دون البعض ، وأقوم الناس بتقويم الخواطر أقومهم بمعرفة النفس ، ومعرفة النفس عسر المنال جدّا ، لا يكاد يتيسر إلا بالاستقصاء في الزهد والتقوى ، ولهذا ربط صلى اللّه عليه وسلّم معرفة اللّه بمعرفة النفس ؛ فقال : « من عرف نفسه عرف ربه » « 2 » .
وذلك كربط معرفة النهار بمعرفة الليل ، فإنه لولا ظهور الليل لم تعرف فضيلة النهار ، فكذا لولا معرفة النفس لم يعرف مقام العبودية ، فلم يعرف مقام الربوبية على الكمال ، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مع غاية طهارة نفسه دائم الافتقار إلى مولاه في الاستعاذة من شرها ، حتى كان يقول صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، أكلأني كلاءة الوليد » « 3 » أي : أحفظني حفظ الوالد الشفيق ولده أن يسترقه الغير أو يأخذه .
ولما تحقق الأستاذ العيدروس - نفع اللّه به - بالوراثة المحمدية من جده صلى اللّه عليه وسلّم كان يقول : أنا عبد اللّه المفتقر إلى اللّه في كل نفس ، فالسالك إذا تحقق بهذا الافتقار فقد تبع النبي صلى اللّه عليه وسلّم في أشرف مقاماته من رؤية شر النفس الذاتي في مقام طمأنينتها وكمال
هامش
( 1 ) هو من معنى حديث : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » .
( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 2 / 343 ) ، والقاري في المصنوع ( 1 / 189 ) .
( 3 ) رواه أحمد في الزهد ( ص 24 ) .