تنشأ من الخواطر ، والعبد إنما خلق للعبادة والعبادة أفعال ، وهي إنما تنشأ من الخواطر كما ذكرنا على أنها تصير عبادة بمقدار صحة الخاطر وهو من تمييز الخواطر ، فهو أول الواجبات بعد مسرفة الصانع والنبوة ، حتى ذهب بعض العلماء - رحمهم اللّه - إلى أن العلم المفترض طلبه لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « طلب العلم فريضة على كل مسلم « 1 » » وهو علم الخواطر ، قال : لأنها أول الفعل وبفسادها فساد الفعل ؛ لكن ها الذي قاله لا يتوجه ؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أوجب ذلك على كل مسلم ، وليس كل المسلمين عندهم من القريحة والمعرفة ما يعرفون به ذلك ، وعلى هذا يحمل الوجوب المذكور في حق الخواص أرباب القرائح الصافية السليمة ، ويحمل توقف الأفعال على معرفتها من حيث التمييز الكامل في أنها مقبولة أم لا ، لا من حيث التكليف الشرعي .
إذا علم ذلك فليعلم الطالب أن الخواطر بمثابة البذر ، فمنها ما ينبت السعادة ، ومنها ما ينبت الشقاوة .
والذي ينبت السعادة : خاطر الحق إلا عند الغضب ، « وخاطر الملك » ، والذي ينبت الشقاوة : خاطر النفس إلا عند الطمأنينة ، وإلا فهي التي أوقعت الشيطان في إبائه من السجود بكبرها وعجبها ، وخاطر الشيطان إلا عند قصد الكد بإظهار خواطر الخير حتى يستدرج إلى خاطر الشر ، أو يظهر خاطر خير ليشغل العبد به عما هو أهم منه .
وسبب اشتباه الخواطر أربعة أشياء لا خامس لها ، وعند ارتفاعها تتم المعرفة بالنافع والضار على ما هما عليه ، وطلب الأول والهروب من الثاني .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة ( 1 / 81 ) .