وبطنا أي : وهو التأويل ، وهو ما تشير إليه الآية ، وحدّه ألا يجاوز الكتاب والسنة مع عدم الجزم ، بأن المراد به هذا لا غير ، فلا يكون من قبيل تأويل الباطنية ، بل هو من باب وجوه الاحتمالات لا بالعقل من غير قطع بشيء منها .
ومن ذلك قول عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما وعن أبويه ونفع بهم - في قوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
[ الرعد : 17 ] الماء :
العلم ، والأودية ؛ القلوب انتهى .
أي : أظهر من غيب سماء الحضرة الإلهية ماء العلم فجرى كل واد من أودية القلوب القابلة له إلى النفوس بقدر امتلائها به ، وهذا النوع من التأويل غير ممنوع إذا كان فيه عبور من الظاهر إلى الباطن مع تقرير الظاهر ، وإنما الممنوع ما عليه الباطنية من إنكار الظاهر بالكلية ، وذلك كفر .
وبالجملة : فالتأويل يختلف باختلاف حال المؤول من صفاء الفهم ورتبة المعرفة ونصيب القرب من اللّه تعالى ، ومن ثم قال أبو الدر داء رضي اللّه عنه : « لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة » « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الجلال السيوطي : الإتقان ( 1 / 164 ) : هذا أخرجه ابن سعد وغيره عن أبي الدرداء موقوفا ، ولفظه : « لا يفقه الرجل كل الفقه » وقد فسره بعضهم بأن المراد أن يرى اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة ، فيحمله عليها إذا كانت غير متضادة ولا يقتصر به على معنى واحد . وأشار آخرون إلى أن المراد به استعمال الإشارات الباطنة وعدم الاقتصار على التفسير الظاهر . وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخ من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء ، قال : إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها . قال حماد : فقلت لأيوب : أرأيت قوله : حتى ترى للقرآن وجوها ، أهو أن ترى له وجوها فتهاب الإقدام عليه ؟ قال : نعم ، هو هذا .