فصل في بيان سفر الإنسان إلى الآخرة بالوحدانية وشاهدا على المشاهدة السرمدية
وافهم أن الإنسان إذا يبلغ إلى كمال العلم والعمل وصار جامعا في المعاني الأخروية من المعرفة والمحبة ، والشوق والتوحيد والتجريد والتمكن في العبادة وسلوك سبيل الحق بنعت تهذيب الأخلاق وما اكتسب من أعمال الآخرة ، ولا يبقى فيه نقص من نقائص الصفات الظاهرة والباطنة ، يصلح هناك بسفر الآخرة ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « سافروا تصحوا وتغنموا » « 1 » .
ويكون موته مبلغة إلى المقاصد العليا ، قال تعالى :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الملك : 2 ] ، فإذا فارق الروح من جسده ويصير جسده ترابا ، فإذا كان كذلك فجسده في تربة الفناء ، يقلبه الحق في التراب ويصيره سبيكة لا يتغير بعد ذلك بالعلك الإنسانية ، ولا تحتاج إلى الامتحان ، ويريه في التراب إلى كمال اللطافة ، حتى يخرج منه كثافة الإنسانية ويسقط عنه الصفات النفسانية المذمومة ، وصار لطيفا كلطف الروح ، فإذا اتصل اللطيف باللطيف ، أعني الروح بالصورة يكون الروح والصورة روحانية صافية عن الكثافة ، لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « نحن معاشر الأنبياء أجسادنا أرواح » « 2 » .
وهذا الموت عبارة عن خروج الروح من الصورة ، وبه يتصل إلى الحياة
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في « السنن الكبرى » ( 7 / 102 ) ، والديلمي في « مسند الفردوس » ( 2 / 306 ) ، وذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 82 ) .
( 2 ) لم أقف عليه .