فصل في بيان بلوغ الإنسان إلى كمال الإنسانية ، مرتبة الأنبياء والأولياء والتأدب بآدابهم
وافهم أنه لما خصّ اللّه سبحانه سادة الخلق من الأنبياء والأولياء والحكماء والنجباء ، جعلهم اللّه بين خلقه كالآباء والأمهات على أولادهم ، يبرؤون أهل الأسقام ، ويربون الخلق بآداب الشريعة والطريقة ، وهم مثل الملائكة المقربين الذي شاهدوا غيب الرحمن ، وسمعوا من اللّه ما لم يسمعه الخلق ، وأن اللّه تعالى أعطاهم فهم أنبائه العجيبة ، وعلومه الغريبة ، وقوة من قوى الملائكة حتى يربوا العباد والبلاد ، قال تعالى في وصف حبيبه :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ الجمعة : 2 ] ؛ لأن الخلق لا يكونون على كمال الإنسانية إلا بآداب الكتاب والسّنة ، قال صلى اللّه عليه وسلّم : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 1 » .
فالإنسان من حيث المناسبة الروحانية والقوة الملكية يقبل الوحي من الغيب ، ومن حيث المناسبة البشرية يلقى الوحي إليهم ، وهم يواسون الخلق ويربونهم بواضحات الشرع ، وهم بالإضافة إلى الناس كالناس إلى الحيوانات ، وهم في الناس كالشموس والأقمار في سائر الكواكب ، وكما أن نور القمر عكس نور الشمس ، فإن نور الناس من أنوار الأولياء والأنبياء ، وإن نور العقل وإن كان منورا لا يتم إلا بنور الشرع والعقل كالبصر ، والشرع كالنور ، ولا يتم البصر إلا بالنور ،
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في « السنن الكبرى » ( 10 / 191 ) ، وأحمد في « مسنده » ( 2 / 381 ) ، والشهاب في « مسنده » ( 2 / 192 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 2 / 670 ) .