الأبدية ، والسعادة السرمدية ؛ لأن هذه الدار له دار عارية ، ينقل منها إلى دار الإقامة ومحل القرار ، قال تعالى :
هِيَ دارُ الْقَرارِ
[ غافر : 39 ] .
وقال عليه السّلام : « إنكم خلقتم للأبد ، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم القرار » « 1 » .
ومثال الإنسان إذا كمل في المعاني التي هي مرقاة الغيب ، فما ذكرنا من العلم والمعرفة والمحبة والعبادة ، مثال اللعل « 2 » في المعادن فإذا كمل اللعل بتواتر العناصر ينفلق الصخر منه ، ويخرج اللعل من المعدن ثم بعد ذلك يصلح لخاتم الملوك ، كذلك الإنسان إذا عرف اللّه تعالى وعبده وصار أهلا لما لحضرة يحين رحلته إلى دار العقبى ، وحضرة القدس وعالم الأنس ويكون موته حياة ، قال تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 169 ، 170 ] .
ولهذا اشتاق الأولياء والصديقون إلى الموت ، لحبهم لقاء اللّه وجواره ، قال تعالى :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ الجمعة : 6 ] .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه » « 3 » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر » « 4 » ، فإذا خرج المؤمن من هذا السجن يكون طيرا يطير من القفص إلى هواء العليين بأجنحة العلم والعمل والتوحيد والمحبة والمعرفة ، قال تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في « الحلية » ( 5 / 229 ) بنحوه .
( 2 ) قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : اللعل يؤول على أربعة أوجه امرأة أو جارية وبنت ونعمة ومال ، وقد أراد باللعل البلخش ؛ لأنه لفظ أعجمي ، مثل الياقوت .
( 3 ) رواه البخاري ( 5 / 2386 ) ، ومسلم ( 4 / 2065 ) .
( 4 ) رواه مسلم ( 4 / 2272 ) ، والترمذي في « سننه » ( 4 / 562 ) ، وأحمد في « مسنده » ( 2 / 323 ) .