تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
واعلم أن الإنسان قد سافر من العدم على الدنيا ، جرى عليه في هذا السفر أطوار كثيرة حتى يبلغ إلى سفر الآخرة ، فمات وسافر الآخرة ، وأول سفره الموت ، ومن الموت إلى القبر ، وما فيه من أمور اللّه من البعث والسؤال ، والموت الثاني اللبث في القبر ، ثم من القبر إلى المحشر ، فينقلب في منازل الآخرة من الامتحان ومعرفة الأشكال الأخروية من الحساب والعقاب والثواب والعقاب ، ورؤية الأهوال والنار والورود عليها ، ثم سفر الجنة ، ومنازلها فإذا قطع ميادين الحدثين ، لم يبق له مسافة بينه وبين الحضرة الجلالية السلطانية الجبارية ، تجدد له سفر الأنال والآباد . فإذا سافر في عالم الصفات ومشاهدتها وعرف حقائق أسمائها ونعوتها ، يبدأ بعد ذلك بسفر عالم الذات ويطير في أنوار الذات بأجنحة أنوار الصفات أبدا ، حتى يعلم أن سفره غير محدود ، ولا يجد لبحار جلاله وجماله وقدمه وبقائه وكبريائه وعظمته ساحلا ، ولا لمعادن وحدانيته مقطعا ، فيكون بين الوصل والفصل ، ويصير شاهدا غائبا وغائبا شاهدا باقيا ، فانيا وفانيا باقيا ، فيكون هناك إنسانا بالحقيقة يصلح للبساط الديمومي ، والمشاهد القدمية الباقية ، ويبقى مع اللّه أبد الآبدين بلا خوف ولا حزن ولا عناء ولا نصب ، قال تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس : 62 ] ، وقال في وصف من دخل جواره ، ورأى لقاءه بفضله ورحمته بلا نصب ولا عناء ، وقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
[ فاطر : 34 ] . نبّه اللّه تعالى أنهم دخلوا الجنة بفضله لا بالامتحان والمشقة ، بل بفضله ومحض العناية وحسن الإكرام ولطيف الإحسان حيث قالوا في وصف امتنانه عليه :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 187 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )