تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
والعقل العلوي الإلهي كريم على اللّه لا من حيث الجسم الحيواني ، فإن الثور والفيل أعظم ، ولا من جهة القوة ، فإن الأسد أقوى منه ، ولا من جهة التردد ، فإن الأطيار أسرع في التردد ، ولا من جهة التناسل ، فإن من الحيوان ما يلد قبل أربعة أشهر ، ولا من جهة الذهب والفضة والجواهر ، فإن في المعادن والجبال والبحار منها كثير ، بل لو كان خلق الإنسان من جهة هذه الأشياء لم يخلق آدم وذريته ، بل يفضل وجوده على وجود جميع الخلق . ولم يقنع بخلق العرش والكرسي والسماوات والأرض والجنة والنار والحور والقصور وخزان الجنان والنيران ، وجميع الكرويين والروحايين ، حتى قال :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
[ ص : 71 ] ؛ لأنه محل بذر المحبة الأزلية ، فاختاره من بين البرية بها قال :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] . فهذا خاص في الإنسان من بين الحدثين ، وسوى ذلك يحصل منه وهو عمارة العالم ، وهو سبب الشرائع والأديان ، وكون الأكوان ، والجنان ، والنيران ، ونصرة دينه والإتيان إلى عبادته ، قال تعالى :
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 129 ] ، وقال :
لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
[ الحج : 60 ] من ينصره ورسوله بالغيب . وهذه الأشياء لا تتأتى إلا ممن خلق على كلتا القوتين ، القوة الإنسانية ، والقوة الروحانية العقلية ، وهذا هو الإنسان لا غير ، والإشارة في ذلك إلى ما نبه اللّه تعالى بما عيّر أهل الملكوت حين استأثر نفسه بعلم ذلك ، فقال :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] ، يعني ما في خليقتي من القوة الروحانية والإنسانية ، والعلم ، وذلك نائب اللّه في العالم ؛ لأنه منه يظهر كثير العلوم والصناعات والتدبيرات ، لأنه كان معدن أفعال الحق سبحانه ، قد خرج منه أحكام قدرته بواسطته ، ولا يظن أن اللّه