وأصل الإنسانية ما ذكرنا وهو العلم ، والنطق ، والفصاحة ، والقدرة في تعاطي الأفعال الخاصة ، التي هي مختصة به فمن له قدرة وتمكين في الفصاحة ، ومباشرة الأشياء ، حصل له الإنسانية ، وليس من له صورة بدنية هي مجمع الشهوة ، والغضب ، والخيال ، والحس ، والحمية ، وظاهر السمع والبصر ، واليد ، والرجل ، فهو إنسان حقيقي لأن أصل الإنسانية بيان بالعقل والعلم ، ومعرفة الصانع ، والتطرق إلى معرفة وطلب قدرته ، ومعادنه ، ومصادره التي صدر منه ؛ لأن اللّه تعالى ذم قوم لهم الإحساس السليم لكن لم ينتفعوا به ، قال تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
[ الأعراف : 179 ] .
وحقيقة الخطاب متوجه إلى من له قلب شاهد ، وروح عارف ، وسر ظاهر يعتبر بعينه ، ويقظة بسمعه ، يعرفه بقلبه قال تعالى :
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
[ يس : 70 ] فالحياة الحقيقة حياة القلب بالمعرفة ، وحياة الروح بالمحبة ، وحياة العقل بإدراك حقائق الأشياء .
فإذا كان الإنسان بهذه المثابة يكون إنسانا له جوهر الإنسانية المأثور من الفطرة الأولية ، وهو آدم عليه السّلام لأنه كان كينونته على حد الكمال ، حيث ظهر القدم للعدم بإيجاد آدم ، وكون فطرته كان بمباشرة صفته الخاصة الأزلية ، حيث قال :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ولهذا كان أحسن الخلائق ؛ لأنه تعالى صوره بنقش خاتم ملك الوجود منقوشا بأنوار تجلي الذات والصفات .
* * *