هامش
وصفة الصورة بحسب نسبة الصفة الغالبة على الإنسان حين مفارقة هذه النشأة .
فيظهر بعضهم في البرزخ ؛ بل وبرهة من زمان الحشر في صورة أسد وطير ؛ كما ورد في الشرّ ، وشهد بصحته الكشف والتعريف الإلهي ، وليس بالمسخ والتناسخ المستنكر ، فإن القائلين بذلك زاعمون أنه في الدنيا ، وهذا إنما هو في البرازخ بعد الموت ، فافهم .
ومن غلبت عليه الأحكام الروحانية وإفراط إعراضه عن هذه الدار وهذه النشأة ؛ كالشهداء المقبلين في سبيل اللّه للجهاد بطيب قلب ، وصحة إيمان ؛ تظهر نفوسهم في صور طيور روحانية ؛ كما أخبر صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طير خضر تعلّق من ثمر الجنّة تأوي إلى قناديل تحت العرش » .
وورد في المعنى في الحديث الصحيح : إن في غزوة أحد قال بعض الصحابة لبعضهم معاتبا له :
« أتقعد عن جنة عرضها السّماوات والأرض ، واللّه إني لأجد ريحها دون أحد » .
وهذا من بكرة نور الإيمان ، وفرط استفراغ الهمّة حال التوجّه مع الإعراض التام عن هذه النشأة وهذه الدار ، واستشهد صاحب هذا القول يومه ذلك رضي اللّه عنه ، والمتوسطون من الأولياء المفرطين في الانقطاع عن الخلق والمجاهدات البدنية أيضا كذلك ، وأما الكمّل فإنهم لا ينحرفون إلى طرف من الوسائط ، بل يوفون كل مرتبة حقها ؛ فمنهم تامّون في عالم الطبيعة ، وتامّون في الحضرات الروحية ؛ كربّهم سبحانه الذي أعطى كلّ شيء خلقه ، فلا تغلب عليهم الطبيعة ولا الروحانية . ومن سواهم ؛ إمّا : « مغلوب الروحانية ، مستهلك الطبيعة » ، وإما :
« مغلوب الطبيعة المستهلك قواه الروحانية في عرصة طبيعته » ؛ كما هو حال جمهور الناس .
و « الكمّل المقرّبون في حاق الوسط » ؛ برازخ بين الطبائع والأرواح ؛ بل بين المرتبة الإلهية والكونية ، فافهم .
وأما الباقيان من النشآت : فأحدهما : « النشأة الحشرية » ، وثانيهما : « النشأة الاستقرارية في إحدى الدارين » وقد سبق التنبيه عليهما ، واللّه الميسر .
جاء وارد بكتابه في جملته أمر مضمونه : اعمل لي ، قلت : اعمل له تصديقا بوعده ، ووعيده ، وترجّيا لفضله المرغب فيه ، قالت نفسي : هذا لا يصلح لمقامي ، قلت : اعمل له بموجب أمره