كان مرقوما هناك ، ويحصل معنى الغيوب ، ويلبسها لباس الخيال ، ويخرجها من معادنها بمصائرها ، مصورة بالصورة المدركة ، ويثبتها بصورها في أوراقها الأربعة ، وينقشها في أرواح القلوب كما يثبت العالم الحكام في اللوح المحفوظ .
ولا يبقي ذرة من العرش إلى الثرى إلا ومثالها وقواها وعنصرها موجود في الإنسان ، قال تعالى :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
[ الإنسان : 2 ] .
وإنه تعالى خلق آدم ، وأودع فيه ما أودع في العالم قال :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] يعني : نفس العالم بأسره ، وللإنسان خاصية ليس في العالم مثلها ، من حيث الصورة التي يميز بها عن غيره مثل انتصاب القامة ، وعرض الظفر ، واستواء الخلق ، وانتساب الهيئات ، ومن حيث الخليقة والطبيعة الضحك ، والحياء ، وقبول أوامر الشرع من حيث الفطرة ، واستبدال الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة ، واكتساب معالي الأمور ، ومباشرات أوصاف الصناعات ، وتصور المعقولات ، وإدراك المغيبات بأمثلة مختلفة بآلة الاستدلال العقلية والعلمية .
ومن حيث الحقيقة : الفطرة الباطنة ، وسرعة الاشتياق إلى العالم العلوي ، والمصادر الأصلية من غيب الملكوت الذي صدر منه في الأصل ، واكتساب معالي الدرجات الأخرى بالتدريج .
وهذه العلوم ، والأعمال ، والأخلاق ، والصورة ، والمعاني المختلفة له خصائص على جميع المخلوقات .