فهذا التدبير والتصرف في الإنسان وإن كان محدثا مصنوعا ، فهو نموذج من عالم الربوبية ؛ لأن اللّه تعالى خلق آدم بخلقه ، وهو عالم ، قادر ، سميع ، بصير ، متكلم ، مريد ، حي ، وخلق آدم بهذه الصفات لذلك قال النبي عليه السّلام : « خلق اللّه آدم على صورته » « 1 » فإذا كان كذلك فالإنسان مجمع عالم الربوبية والعبودية ، ومنقوش نقش الملك والملكوت ، ومرآة أفعال الحق في جميع المخلوقات .
فصورة الإنسان مختصر صورة العالم ، وإن كان من خلاصة العالم ولبابه ، وصفوته فهو العالم الكبير في المعنى ، وإن كان صغير الحجم ، خلقه اللّه من صفو سبائك العالم ؛ لأنه تعالى مخض مخاض الوجود وأخذ من صفة زبدته وجمع فيه ما جمع في جميع الأكوان والحدثان ، وأودع فيه من خصائص علومه وحكمته ومعرفته ما لم يخص به الكون ، وهو أشرف ما أوجد من العدم إلى الوجود ؛ لأنه مختص باجتماع الأضداد فيه من الصفة الروحانية والجسمانية ، وليس في الكون وأهله من كان بهذه
هامش
للحق أدبا مع اللّه تعالى حتى لا يكونوا تخلّقوا بأخلاق اللّه تعالى ، فهم لا يرجعون من مقام العبوديّة ولا يجدون طعما للربوبيّة التي تستحقها هذه الأسماء .
وهذا الذوق في العارفين عزيز وهو من شيم الأولياء الكرماء الأخفياء الأبرياء ، وهذا هو التأسّي بسيد الخلق مع سيادته يقول : « أنا عبد وأنا بشر مثلكم » .
وأيّ أسوة أعظم من هذا التأسّي لمن عقل عن اللّه تعالى ، رحم اللّه امرؤ عرف قدره ولم يتعدّ طوره ، فطوبى لمن كان على صورة تقتضي له المنزلة من العلو والسيادة ، ولم يؤثر فيه ولا أخرجته عن عبوديته ، كما قال سيد أرباب الآداب صلى اللّه عليه وسلّم بالأمر الإلهي والتأديب الربّاني :إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[ الكهف : 110 ] .
فتلك عصمة وحظ أوفر ، حققنا اللّه وإيّاكم بهذا المقام المطلق والحال المحقق بمنّه وفضله الحق .
( 1 ) سبق تخريجه .