ثم أخذها الحق ووضعها في هواء ، وأدخل فيها من ذلك الهواء نارا نورانية حتى يبست ، وأجرى عليها رياحا حتى نفشت فصار ترابا مركبا من العناصر الأربعة ، ولولا ذلك لم ينعقد بذاته ، فخرج من العدم معجون بهذه العناصر بإيجاد القديم المنزه ، ليس كما يزعم الحشوية - لعنهم اللّه - أن الأشياء تكون بطبعها ؛ لأنه مستحيل من جهة العقل أن يكون الشيء بطبعه .
ثم خلق اللّه الأكوان والحدثان ، وفي الحديث : « أن اللّه تعالى لما أراد أن يخلق السماوات والأرض ، خلق جوهرة خضراء عظمها أضعاف أطباق السماوات والأرض ثم نظر إليها نظر هيبة فصارت ماء ، ثم نظر إلى الماء فغلى وارتفع منه زبد وبخار ، وأرعد من خشية اللّه تعالى ، ومن ثم يرعد إلى يوم القيامة ، وخلق اللّه تعالى من ذلك الدخان السماء ، وهي دخان ، وخلق من ذلك الدخان السماء ، فذلك قوله تعالى ، ثم خلق من ذلك الزبد الأرض ، فأول ما ظهر من الأرض على وجه الماء مكة فدحى اللّه الأرضين من تحتها ، ولذلك سميت أم القرى ، قال تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] .
ثم لما خلق اللّه الأكوان والحدثان وأراد خلق آدم ، نادى وقال :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
[ ص : 71 ] ، وذلك بعد أن أخذه من نفس الأرض ، وخمّره بالماء أربعين صباحا من أيامه حتى حصل عنصران ، فإذا بلغ إلى كمال التغير من تخميره أثر فيه عنصر الهواء ، وذلك قوله في وصف أصله :
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
[ الحجر : 26 ] .
ثم إذا صار طينا لزجا مستعدا لقبول نقوش الصورة المنقوشة على خاتم القدرة ، وهو ما أخبر الحق عن وصفه بقوله :
مِنْ طِينٍ لازِبٍ
[ الصافات : 11 ]