تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
ثم قال وأشار إلى الأصل :
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
[ فاطر : 11 ] ، وهذا من مقتضى الحكمة الإلهية المشيئة الأزلية . وروى وهب بن منبه أنه وجد في « التوراة » صفة خلق آدم حين خلقه اللّه وابتدعه ، حيث قال : إني حين خلقت آدم ركبت جسده من أربعة أشياء ، ثم جعلته وارثه في ولده ، فنمى في أجسادهم ، وينمون عليها إلى يوم القيامة ، وركبت جسده حين خلقته من رطب ويابس ، وسخن وبارد ، وذلك لأني خلقته من تراب وماء ، ثم جعلت فيه نفسا وروحا ، فيبوسه جسده خلقته من التراب ، وبرودته من قبل الروح ، ورطوبته من قبل الماء ، وحرارته من قبل النفس ، ثم خلقت في الجسد بعد هذا لخلق الأول أربعة أنواع من الخلق أخر ، وهن ملاك الجسد فقوامه لا يقوم إلا بهن ، ولا تقوم منهن واحدة إلا بالأخرى ، منهن المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم ، والبلغم ، ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء ، ومسكن الحرارة في الدم ، ومسكن البرودة في البلغم ، فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه ، فكأنما كل واحدة منهن ربع لا يزيد ولا ينقص ، كمل صحته واعتدل بنيانه ، فإن زادت منهن واحدة عليهن قهرتهن ، ومالت بهن ، ودخل عليهن السقم من ناحيتها بقدر ما ازدادت ، وإذا كانت ناقصة تقل عنهن ، ملن بها ، وعلونها ، أدخلن عليهن السقم من نواحيهن ، بقدر قلتها عنهن حتى تضعف عما فيهن ، وتعجز عن مقارنتهن بين اللّه سبحانه ، فيما رواه وهب : مما ركّب في آدم ذريته من الطبائع والعناصر التي باعتدالها يستوي الإنسان ، ويكون كاملا ، كدار لا تكون قائمة إلا بالجدران والأساس والأعمدة والعوارض .