يقسم بأن يوجد ذرة منها جميع الكون ، وما فيه فصل في بيان أصل الإنسان ، وتركيب العناصر فيه .
وافهم أن الباري سبحانه خلق التراب أكرم الأشياء وأغرها عليه ، ولولا ذلك لما خلق منه صورة أكرم الخليقة آدم ومحمد ، وجميع صورة الأنبياء والأولياء والصديقين عليهم السلام ، قال تعالى :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] ، وذلك التراب الذي خلق اللّه آدم منه هو سبيكة لطيفة خالصة من جميع الأرض ، وكان فيها سر اللّه الأعظم ، وذلك السر سر الربوبية وصنعه فيه ، ولم يضعه في شيء غير التراب ، من العرش إلى الثرى ؛ لأن ذلك كان مستعدا لقبول ظهور صفات القدم منه .
وأبهم تلك الخاصية على جميع الملائكة حتى قالوا :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 30 ] ، ولم يدرك ذلك السر إبليس ، وكان رأس خزان الجنة حيث قال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] .
ولم يحل ذلك التراب من طبائع جميع الحدثان من العرش والكرسي والجنة والنار والسماوات والأرض والجبال والبحار ؛ لأن أصل الجميع من تلك الجوهرة التي خلقها اللّه أول الخلق ، فنظر إليها بوصف بروز أنوار جميع الذات والصفات حتى صارت ماء من صولة تجلى الحق تعالى ، واستفادت من أنوار الذات والصفات ، خلق القدم ، وباشرت نور الأزل فيها ، وبقيت فيها آثار بركة تجلي الحق .
وذلك أسرار الربوبية ثم مخض بقوة الأزل ذلك الماء اجتمع على رأسه زبدة لطيفة الهدية مائية ، فدخل فيها سر جميع تلك الأسرار الخاصة الإلهية ؛ لأنها كانت مستعدة لقبول ذلك السر لا غير .