وكونه شاهدا إما في ذاته وصفاته من النعوت والأوصاف ؛ لأنه تعالى مصدر صنعة الغريب ، ولطيفة العجيب ، وقد أشار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - في خلق آدم في بعض الخطب قال : « ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وملحها تربة سنها بالماء حتى خلصت ، ولاطها بالبلة حتى لزبت « 1 » ، فجبل منها صورة ذات أحناء « 2 » ووصول وأعضاء ، وفصول ، أجمدها حتى استمسكت وأصلدها حتى صلصت لوقت معدود ، وأجل معلوم .
ثم نفخ فيها من روحه فمثل إنسانا ، ذا أذهان يخيلها ، وفكر يتصرف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الأذواق والألوان والأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة من الحر والبرد ، والبلة والحموة ، والمساءة والسرور .
واستأذن اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيفه إليهم في الإذعان بالسجود له والخشوع لقوله سبحانه :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ البقرة : 34 ] ، ثم إنه خلق بني آدم من العناصر والطبائع المختلفة ، وتقلبه في الأطوار والدرجات والحالات في الأحايين والأدهار على حسب حال خلقه وخلقه مع جعلهم أمثاله في التركيب فقال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ
[ المؤمنون : 12 ، 13 ] ، إلى هنا العناصر الأربعة من التراب والماء والريح والهواء .
ثم ذكر أطوارا أخرى فقال :
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً
[ المؤمنون : 14 ] ، نبه تعالى من أوصافها حين تقلبت في العناصر الثابتة ، وما لحقها من التغاير في التقلب والمشام الطين ، ومن هذه الوجوه خلق أولاده أيضا من التراب في الحقيقة ، والإشارة فيما ذكرنا قوله تعالى :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا . فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا
[ عبس : 25 ، 26 ، 27 ] .
هامش
( 1 ) أي : تصلبت .
( 2 ) حنو الجبل : ناحيته ، والجمع أحناء .