باب صفة الإرادة والهمة
فصل اعلم أن الهمة في اللغة هي : الإرادة المخصوصة ، وهي إرادة الأمور العظام ، وليس كل إرادة تسمى همة ، وإنما تسمى إذا كان مرادها عظيما قدرا عاليا رتبة ، ومنه الهمام اسم لكل ملك عظيم الهمة .
وفي اصطلاح الصوفية : همة العبد إرادته ذات اللّه تعالى وصفاته جل وعلا وهي الإرادة الأعلى ، وربما نسمى نحن السر همة لكونه آلة الاهتمام على ما نشرحه في كتاب « مرآة الأرواح » .
وأما الإرادة فقد مر شرحها في باب المحبة ، وأما المنية في اللغة هي تقدير شيء في القلب ، والمنى قدر اللّه تعالى ، وأما في اصطلاح المتكلمين المنية إرادة المحال .
وأما في اصطلاح الصوفية : هي إرادة الأمور الدنياوية العاجلة غير الدينية فافهم .
قال الجنيد قدس اللّه سره : « الهمة إشارة اللّه تعالى ، والإرادة إشارة الملك ، والخطرة إشارة المعرفة ، والمنية إشارة الشيطان ، والشهوة إشارة النفس ، والهوى إشارة الكفر » يعني الهمة إشارة اللّه تعالى وداعيته يدعوك إلى اللّه تعالى وتقدس « والإرادة إشارة الملك » أي داعيته يدعوك إلى عوالم الروحانيات ، « والخطرة إشارة المعرفة » يعني ما يعترى في سرك داعيا لك إلى أعمال البر والتجانب عن الشر فذلك الخاطر إنما جاء من عالم المعرفة ، واليقين بصدق ما أخبر اللّه به من الوعد والوعيد .
قوله : « والمنية إشارة الشيطان » يعني كل ما يدعوك إلى الدنيا ، ولذاتها فذلك الدعاء من الشيطان ، وذلك مما لا يكون لك فيه خير بوجه ، وما لا يكون لك فيه خير بوجه لا يخلو من الشر ، قوله : « الشهوة إشارة النفس » يعني داعية النفس الباطرة ، الشاطرة ، الباغية ، الطاغية تدعوك إلى قضائها من حل وحرمة كيفما تيسر قوله : « والهوى إشارة الكفر » يعني بالهوى إرادة الشرور ، والفجور ، والبدع ، والضلال فذاك كلها دواعي الكفر يدعوك إليها لتسايرها ، ثم تنزل في طبقاتها إلى طبقة الكفر والعياذ باللّه ؛ لأنه إذا كان في باطن الإنسان كفر كامن لا