تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وهو النفس ، والقلب حقيقة ، ثم سمى باطن الباطن حقا ، وهو السر ، ثم سمى ذكر السر للّه تعالى بالدوام حقيقة الحق لأن ذكر السر لما كان حقيقة السر فمشاهدته أبلغ من ذكره فكان الخفي حقيقة السر ، اعلم أن كل ذلك من أوصاف - الشبلي بعضها حقا ، وبعضها حقيقة فافهم . وقال الشبلي : « الهمة حقيقة ، والإرادة حق » هذا أيضا من صفات العبد أحدهما : حقا ، والآخر : حقيقة قوله « الهمة حقيقة ، والإرادة حق » فالأمر عندي على العكس أولى ، فالهمة « 1 » حق ، والإرادة « 2 » حق وتسميتهما حقا وحقيقة ، إنما قلت
هامش
( 1 ) الهمة : تطلق بإزاء تجريد القلب بالمنى ، ممكنا كان ذلك أو محالا ، وعلى صاحب هذه الهمة أن ينظر فيما يتمناه ، ويحرره ، فإن أعطاه الرجوع عن طلبه بكونه محالا رجع ، وإن أعطاه الغريمة غرم . وتطلق بإزاء أول صدق المريد : وتسمى هذه الهمة ، همة الإرادة ، وهي همة جمعية وتنحصر النفس عليها فلا يقاومها شيء حتى إنه لو تصور شيئا ، وأراد وقوعه ، لوقع في الحين ، والنفس إذا انحصرت على الجمعية ، وأحيطت فيها بالقوة والملكة انتقلت لها أجرام العالم والأرواح ولا قصاص عليها بشيء . وليس من شروط هذه الجمعية الإيمان ، ولذلك ظهرت آثارها على بعض كفار الهنود ، ولهم في الكون الأسفل تصرفات عجيبة ، ويزعمون أنهم أهل التروحن والتقديس . وتطلق بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام . وهذه الهمة إنما تسمى بهمة الحقيقة ، وهي همة الكمل من أهل اللّه تعالى ، حيث جمعوا الهمم المتعلقة بأنحاء الكمال على الحق ، واطلعوا بصفاء الإلهام توحيده الذاتي وتوحيده الجمعي الأسمائي من مشاهدة التفصيل في جمعه كما هو . ( 2 ) الإرادة : هي لوعة في القلب ، أي : قلب من تنبه للنهوض بقدم حاله إلى وجهته العليا في الحق ، وهي وجهة موليها ، وهي مختاره الأصلي ، ومستنده الغائي . وقد زاد قدس سره في معناها قيدا آخر ، وهو قوله في الفتوحات المكية : « ويحول بينه وبين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده » . والإرادة في الحقيقة لا تتعلق دائما بالعدم ، فإنها صفة تخصص أمرا إما بحصوله ، أو وجوده ، كما قال تعالى وتقدس :إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ يس : 82 ] ، وشيئية المراد هنا شيئية الثبوت لا شيئية الوجود ، فإن قلت : قد تتعلق الإرادة بموجود لمحوه ، وإعدامه . قلت : هذه مشيئة الإرادة ، كما قال تعالى :يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ[ الرعد : 39 ] فلو تعلقت الإرادة بالموجود لتخصيص وجوده لزم تحصيل الحاصل ، فالمراد : حالة تعلق الإرادة به معدوم قطعا . -