تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
قوله : « المنية صاحب سعة » يعني صاحب المنية طالب دنيا ، فإن قنع يكفيه القليل ، وإن طمع في الكثير لا يكفيه الكثير ، ومنهم من لا يقنع بقليل ، ولا يشبع بكثير ، ومنهم من يشبع بقليل ولا يقنع بكثير ، ومنهم بين ذلك . وقال أيضا : « من له همة فهو في ديوان البالغين ، ومن له إرادة فهو في ديوان المريدين ، ومن له منية وشهوة فهو في ديوان العاصين » يعني من له همة فهو من البالغين إلى اللّه تعالى ، ومن له الإرادة فهو من المريدين للّه تعالى لا لذاته ولكن للآخرة ، ومن له منية وشهوة فهو من العاصين ، يعني وإن لم يعص في الشريعة ، فهو من العاصين في الطريقة ، أما في الشريعة فلا هو من العاصين ما لم يقترف معصية . قال النوري : « معصية الهمة طاعة ، وطاعة المنية معصية » . قوله : « معصية الهمة طاعة » أبلغ من قول الجنيد حيث قال : « ما عاقب اللّه صاحب الهمة وإن عصاه » لأن النوري جعل معصيته طاعة ، والجنيد جعل معصيته مغفرة ، والحق مع النوري لأن الهمة مع الحق دائما ، وكان تائبا دائما منيبا إلى اللّه تعالى ، وقال اللّه تعالى في حق التائبين :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان : 70 ] . قوله : « وطاعة المنية معصية » لأن المنية إرادة الدنيا ، ومحبة لذاتها ، وذلك في نفسها معصية ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « حب الدنيا رأس كل خطيئة « 1 » » وطاعة الخطيئة ، خطيئة كعبادة الوثن ، والسجدة للصنم ، وأعمال هؤلاء ما قال اللّه تعالى
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] . وقال الشبلي : « الهمة لا تكون في الدنيا » يعني الهمة من إرادة اللّه تعالى ذاته ، لا يميل إلى الدنيا ، والآخرة ، والنفس ، وكل إرادة على خلاف ذلك ليست همة . قال الجنيد : « الهمة بشرى لأوليائه ، كالوحي بشرى لأنبيائه » يعني الهمة هنا السر ، فإنه يبشر العبد بما يشاهد في عالم الحق ؛ لأن العبد بنفسه ، وقلبه ، وعقله لا يلج عالم الحقيقية ، ولا يشاهد شيئا ثّم إلا بعين السر ، فسمى عين السر هنا الهمة ، والبشرى لأولياء اللّه تعالى كالوحي لأنبيائه ، يعني الهمة عين السر ، بها
هامش
( 1 ) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( 3 / 178 ) ، وللشوكاني جزء في شرحه .