تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
ذلك : لأن الهمة أعلى من الإرادة عندهم على ما يعرف من باب الإرادة والهمة عقيب ذلك ، والحق أعلى من الحقيقة عندهم أيضا ، ولهذا قال الشبلي فيا سبق : « الباطن عند الظاهر حقيقة ، والسر عند الباطن حق ، ثم السر أعلى من الباطن ، إذ هو باطن الباطن » جعل الحق اسما لما هو أعلى ، والحقيقة اسما لما هو أدنى . قال ابن عطاء فيما سبق : « الحقيقة اسم العبد » ومعلوم أن العبد أدنى من الحق ، والحق هو اللّه تعالى على ما قال جل وعلا أن اللّه هو الحق المبين ، فإذا ثبت أن الحق أعلى من الحقيقة عندهم وثبت أن الهمة أعلى من الإرادة ومست الحاجة إلى تسميتها حقا ، وحقيقة وجب أن يجعل الأعلى اسما لما هو أعلى ، وأدنى اسما لما هو أدنى فيسمى الهمة حقا ، والإرادة حقيقة فافهم إن شاء اللّه وحده . وقال الشبلي : « إن لكل حق حقيقة » أي : لكل إرادة همة لست أدرى أن هذا التفسير قول الشبلي ، أو قول غيره والأقرب أنه من غيره والصحيح في تفسير ذلك أن يقول يعني لكل إرادة همة تجعل الإرادة للهمة ، لا الهمة للإرادة ؛ لأن الهمة أعلى كما أشرنا إليها من قبل ولأن الإرادة مما يكثر للنفس ، والقلب في باب أمور الدنيا والهمة في اصطلاحهم شيء لا يكون إلا لأمور الدين والإرادة تتسافل
هامش
فإن العقاب ، وملذوذ وجده بالعذاب ، حالة تعلق الإرادة به ، وكان معدوما في حقه ، فخصص ذلك بإرادته ليوجد في حقه ، فإذا وجد ، تعلقت إرادته باستمرار ما حصل ، وهو معدوم إذ ذاك ، فالإرادة إن نشأت في القلب على مقتضى غلبة الحكم القلبي فيطلقونها ويريدون بها إرادة التمني سواء تعلقت بالمطالب العالية أن الدانية ، ولذلك قال : وهي يعني إرادة التمني منه ، أي : من القلب يريدون بها أيضا . إرادة الطبع : إن نشأت من القلب على مقتضى غلبة حكم النفس عليه ، فإنها إذن تجديد إلى شبح الطبيعة القاضي بإتيانه اللذات العاجلة والآجلة أيضا ، كتقييد القلب مثلا في مناهج ارتقائه بلذات مشاهدة نتائج الأحوال في الحال ، أو نتائج الأعمال ، بحكم المجازاة في المال ، لذلك قال : « ومتعلقها الحظ النفسي فإن علة تقييد القلب هنالك وجود اللذة ، ويطلقونها ويريدون بها : إرادة الحق » . إرادة الحق : إن نشأت من القلب ، على مقتضى غلبة الحق عليه ، سواء كان ذلك من أحكامه الظاهرة أو الباطنة ، ومتعلقها الإخلاص ، والقاضي بتحقيق توحيده الذاتي ، وقطع تعلقها عن السوى ، بل عن الأسماء من حيث كونها مشعرة بالكثرة المعقولة ، بحسب نسب إحاطاتها ، ولهذا قال علي كرم اللّه وجهه : « وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه » .