باب صفة الحقيقة
فصل اعلم أن الحق في اللغة هو الكائن الثابت وقد استعمل في كائن كلمة نفع ، أو نفعه أكثر من ضره ، قال اللّه تعالى
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
[ النور : 25 ] يعني الكائن الثابت النافع الضار ، ونفعه أبلغ من ضره ، ورحمته وسعت كل شيء هو اللّه تعالى ، والحق عكس الباطل ، والباطل في اللغة هو المنعدم المتلاشي ، وقد استعمل الباطل في شيء الموجود الذي كله شر ، أو شره أكثر من نفعه ، ومن ذلك قال اللّه تعالى
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
[ الإسراء :
81 ] أي جاء أمر اللّه تعالى وزهق الشيطان وأمره ، والباطل هو اسم الشيطان هكذا قال أهل اللغة :
وأما ( الحقيقة ) في اللغة هي : الراية أعني العلم ، قال : حامي الحقيقة سائل الوريقة مستاق الوثيقة ؛ لأن حامى الحقيقة يعني : حافظ رايته وعلمه ، والوريقة مريدة للفحل ، والوثيقة : الحاملة من النوق ، يصف البعير هذا هو تفسير الحق ، والحقيقة لغة .
أما في اصطلاح المشايخ : فقد اختلفوا فيها تعبيرا ، ولا جامع لها كقول النوري : الحقيقة جمع الهمة مع المراد ، ثم قال : عين العبد هو الحقيقة ومعلوم أن عين العبد الذي سماه حقيقة هنا ليس جمع الهمة مع المراد الذي سماه حقيقة ثّم ولا من جنسه ، أو نوعه لضرورة أن جمع الهمة مع المراد فعل العبد لا عين العبد ، هذا في كلام واحد منهم فكيف في كلمات جماعتهم ؟ ثم الأقرب عندي في تفسير الحقيقة ، والحق على اصطلاح مشايخ الصوفية أن يقال الحق هو الذات ، والحقيقة الصفات ثم إنهم إذا أطلقوا ذلك ، فإنما يريدون ذات اللّه تعالى وصفاته - جل وعلا - خاصة وإنما قلنا ذلك ؛ لأن المريد السالك إذا تجاوز عن حدود النفس ، والهوى ، وعن الدنيا ، والآخرة ، ودخل في عالم الإحسان يقولون دخل في عوالم الحقيقة ، ووصل إلى مقام الحقائق ، وإن كان هو بعد في عالم الصفات ، والأسماء ومهما وصل إلى اللّه تعالى يقولون وصل إلى الحق ، وقلما يستعملون ذلك في ذوات أخر ، وفي صفاتها لأن مقصودهم الكلى هو التوحيد المجرد عن الكثرة ، وذلك بالإعراض عن كل ما سوى اللّه تعالى سيجيء بعض الكلام في الحق ، والحقيقة في