تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أو نقول : معناه محبتك حب بلا محبوب لأن محبوب محبتك هو اللّه تعالى وليس اللّه تعالى لك بهذه المحبة لأنك إنما تحبه لا لذاته ، بل لغرض آخر وهو الدنيا ، والآخرة فلو لا أن اللّه تعالى كان وسيلة موصلة لك إلى الدنيا ، والآخرة لما أحببته فلا جرم لا يكون اللّه تعالى لك بهذه المحبة . وقال أيضا : « المحبة محبة المحبة ، والإنكار من المحبة » اعلم أن ذلك على وجهين أحدهما : أن تحب اللّه تعالى ، وتحب محبتك للّه تعالى مع إنكار ذلك عند الأغيار . والثاني : أن تحب محبة اللّه تعالى إياك وتنكر محبتك إياه اتقاء عن مقابلة المحبة بالمحبة ، أو اتقاء من دعوى المحبة . قال ابن عطاء : « من أراد صفاء المحبة يغمسه بين الذوق حتى الذوق حتى أذاق المحبة مائتين وستين عرقا » لأن لكل عرق محبة وغذاء بخلاف آخر فإن المحبة تنقلب في كل يوم وليلة على مائتين وستين حالا يعني : من أراد تصفية محبة اللّه تعالى ينغمس بنفسه في عين ذوق محبة اللّه تعالى حتى يذوق عروقه كلها محبة اللّه تعالى ، فإذا أذاق الكل محبة اللّه تعالى زال عن كل واحدة منها ما فيها من محبة غير اللّه تعالى بمحبة اللّه لأن المحبة تزاحم المحبة ، ولهذا قال الأطباء : تداوى العاشق بمحبة غير المعشوق وإذا زال محبة غير اللّه تعالى تصفو محبة اللّه تعالى وحده ، وهذا لأن في بدن الإنسان مائتي وستين عرقا لكل عرق محبة لشيء من الأشياء غير اللّه تعالى كنحو حب الحياة ، والجاه ، والمال ، والمرأة والطعام ، والشراب ، والجنة ، ونعيمها ، وإلى ما أشبه ذلك وإن العبد المحب لهذه الأشياء يتقلب في كل يوم وليلة على مائتي وستين حالة لضرورة وكونه محبا لمائتي وستين محبة كل محبة على خلاف الأخرى .