ومن جملتها : محبة اللّه تعالى لا تقوى ، ولا تصفو ، بل تضمحل في ازدحام المحبات المختلفة فمن شاء تصفيتها وتقويتها يغمس نفسه في عين ذوق محبة اللّه تعالى حتى تزول سائر المحبات وتتبدل لكل بمحبة اللّه تعالى فيثبت في كل عرق على محبة اللّه تعالى ، وبهذا تصفو محبة اللّه تعالى وتقوى فافهم .
فإن قلت : ما عين ذوق محبة اللّه تعالى ؟
قلت : هي المداومة على ذكر المحبوب بالقلب إن قدرت وإن لم تقدر فباللسان مع المراقبة في الخلوة الدائمة ليلا ، ونهارا ، قياما وقعودا ، ركوعا وسجودا ، مع نسيان كل شيء سواه فبذلك الطريق تذيق محبة اللّه تعالى لسائر عروقك ، وأعضائك ، وقلوبك ، وأرواحك ، وجلودك ، وأعصابك تفهم إن شاء اللّه وحده .
وقال أيضا : « المحب إذا ادعى الملك خرج من المحبة » يعني أن محبة اللّه تعالى لا تحتمل الشركة فيستدعى أن يكون المحب عبدا مرقوقا بذاته وصفاته لمحبوبه ولا يتحرك حركة ، ولا ينطق بحرف إلا بإذن مولاه ويكون نظره دائما إلى محبوبه فإن ظن أن له تصرفا ما بدون إذنه ، أو شيئا من ذاته ، وصفاته ، وجوارحه ، وأطرافه له دون مولاه أوله ولمولاه شركة فهو مشرك مدع وأمارة تلك المحبة أن يكون ماله مباح التناول لكل متناول ، ودمه هدر لكل من يقتله ، ولو سلب عمامته ، ونزع ثوبه لا يحرك في قلبه ذلك ، كما لو أخذ أحد عمامة نفسه فإن كان بخلافه فهو مدعى الملك ومحبة اللّه تعالى له غير خالص ، بل غير قائم ، قال وأنشأ ذو النون :
أريد أن أحبه من قلبه * فعجزت إلا محبة غرضه
فإن عجزت فأحب محبة * الحبيب الذي هو غرضه